أزمة مصداقية تعصف ببعض الصحف الإلكترونية

شرذمة من الصحافة المزيفة تنسخ مواضيع المنابر الكبرى، وتكرر أفكار نقاد السينما والفنون دون رقابة مهنية أو إدراكية.

يشهد الإعلام الفني الإلكتروني حالة ارتباك واضحة في البناء المهني والوظيفة الثقافية، إذ تتعامل بعض المواقع المغربية مع المعلومة بمنطق النسخ الآلي، فتُستنزف قيمة المعرفة ويضيع الجهد الإبداعي الذي يُنتظر من الصحافي المختص. وتُظهر هذه الممارسات تراجعًا كبيرًا في جودة المحتوى، وتكشف هشاشة أخلاقيات مهنية كان يفترض أن تشكل العمود الفقري للصحافة الفنية، باعتبارها صوتًا نقديًا يساهم في تطوير الذوق العام وتنوير المتلقي.

وتعتمد نظريات الإعلام على مفهوم مصداقية المصدر كشرط جوهري لثقة القارئ، وفقًا لنموذج الاعتماد على الوسيلة الذي يشدد على ضرورة تقديم محتوى أصيل يُبنى على بحث وتحليل. لكن واقع المواقع المنسوخة يُسقط هذه المصداقية بالكامل، ويجعل النصوص الفنية بلا قيمة تحليلية، فتغدو مجرد أخبار عابرة تكرر ما نشره الآخرون دون رؤية أو سياق. وهنا يفقد الإعلام دوره في تشكيل رأي عام واعٍ بالقضايا الفنية.

ويبرز ضعف التفاعل النقدي مع الأعمال السينمائية في غياب رؤية تحليلية تُظهر فهمًا للبعد الفني والثقافي للعمل المقدم، إذ يكتفي بعض الصحافيين بإعادة تدوير الأفكار بلا أي إثراء معرفي يُظهر التخصص والتمكن. وهكذا تنحسر وظيفة الصحافي إلى ناقل حرفي بدل كونه باحثًا يستنطق العناصر الجمالية والفكرية للمشهد الفني، وهذا يؤدي إلى تراجع مكانة النقد في الحقل الإعلامي.

وينكشف المحتوى المستنسخ بسرعة لدى النقاد والممارسين في الوسط الفني، لأنهم يمتلكون خبرة وذاكرة معرفية قادرة على كشف الاقتباس المبتور وسرقة الأفكار. ويترتب على ذلك فقدان الثقة بين أهل الفن وبعض الأقلام الإلكترونية، فيتضرر المشهد الإعلامي ويُسحب الاحترام من المنابر التي تفتقد لخط تحريري واضح أو وعي نقدي حقيقي.

ويراهن الإعلام الفني على دور الصحافي المتخصص في تعميق الفهم الجمالي لدى الجمهور عبر قراءة الأعمال فنياً وثقافياً وفلسفياً. وحين يُقصى هذا الدور تحت ضغط سهولة النسخ والسعي وراء المشاهدات، يضيع البعد الإبداعي ويتراجع التأثير المجتمعي للفن. ويصبح الإعلام مجرد مرآة باهتة تعيد عرض ما أنتجه الآخرون دون تفكير أو تمحيص، فيُسحب منه لقب سلطة المعرفة ويتحول إلى منصة بلا رؤية ولا هدف.

إن استعادة الثقة بالإعلام الفني المغربي تمر عبر تكوين متمرس للصحافيين في مهارات التحليل الجمالي واستيعاب النظريات النقدية، وإعادة الاعتبار لأخلاقيات الكتابة، حتى تتمكن المنابر من امتلاك صوت مستقل يترك بصمته في الذاكرة الثقافية، ويعيد الاعتبار للدور الحضاري للصحافة الفنية باعتبارها ركيزة من ركائز النهضة الجمالية في المجتمع.

ويُظهر لجوء بعض الصحافيين إلى سرقة الأفكار والمواد النقدية دون إذن أو إحالة صريحة إلى أصحابها عجزًا واضحًا عن الإبداع، ويكشف فقرًا مهنيًا يجعل من هؤلاء مجرد أشباه صحافيين لا يمتلكون الأدوات الفكرية ولا القدرة على إنتاج خطاب متخصص. ويتحول السطو على اجتهادات النقاد والباحثين إلى شهادة فشل معلن، لأن من لا يستطيع الدفاع عن نص من إبداعه لن يتمكن من الصمود داخل فضاء إعلامي تنافسي يعتمد على التميز والابتكار. كما أن سرقة المحتوى تُفقد صاحبها الاحترام داخل الوسط الثقافي، وتجعله في عزلة تامة عن مسار المهنية والاحتراف.

وتتحمل هيئات التحرير مسؤولية مباشرة في وقف مهزلة تكرار الأفكار وإعادة صياغتها بطريقة توهم القارئ بأنها إنتاج أصيل، لأن هذا السلوك يسيء إلى المؤسسة الإعلامية قبل أي فرد داخلها. ويجب على الإدارات المهنية أن تفعّل آليات الرقابة الصارمة على جودة المحتوى، وتفرض معايير تمنع الانتهاك الفكري وتُحاسب كل من يثبت تورطه في هذا النهج. ويُعدّ حماية الإبداع من التقليد شرطًا لاستمرار الإعلام الفني كفضاء للتحليل والمعرفة، لأن المؤسسات التي تسمح بتناسل