ابتهال تريتر تصوغ الحياة من رماد الحرب في 'تستأنف الأنهار ضحكتها'
واصل الشاعرة والإعلامية السودانية ابتهال ترتير اشتغالها على قصيدتها بجهد ودأب عميقين، شاعرة تمتاز بصدق القول الشعري وقوة الجملة الشعرية الموحية والمعبرة عن أحاسيس وجوانية الإنسان العربي، شاعرة تجعل اللغة طيعة بين يديها لتشكل منها لغة بصرية تسرد من خلالها رؤاها وفلسفتها تجاه الحياة.
ضمن ما سبق، صدر للشاعرة تريتر مجموعة شعرية أسمتها "تستأنف الأنهار ضحكتها" عن دار زهرات البيدر للطباعة والنشر. في هذا العمل الشعري "تستأنف الأنهار ضحكتها" تجربة شعرية جمعت بين الغموض والوضوح وحملت في صدر عناوينها الحكمة والفلسفة، وهي معجونة بالماء والأرض والتعدد الدلالي، ولا يخفى تعطش الشاعرة للحب والسلام ورؤيتها لذلك وفق معركتها الإنسانية التي لا تنفصل عن المعركة العامة في محيطها، وقد منحت مساحة وافرة للتسامح والقيمية العالية ويبرز ذلك في عدد من نصوصها. تنوعت موضوعات الديوان وشكلت تطوافًا حقيقيًا متروكًا للقراء للمشي على أزقته وتلمس جدرانه.
لغة الديوان مزيج بين الحداثة والتراث، فهي تتكئ على موروث شعري أصيل وثوب حداثي يشفّ عما بداخل المجموعة من عمق وتقديم الشعرية على طبق فلسفي أدبي متنوع، علاوة على تراكيب فيها لمسات التجديد والجرأة على اللغة والتقاليد اللغوية، وبذلك يقدم مادة جاهزة للتداول النقدي. تنوعت في بحورها الخليلية وهي تلج إلى عمود الشعر والتفعيلة معًا.
ويحتوي الديوان على مجموعة قصائد تجاوزت 25 قصيدة مشغولة بعناية فائقة وبلغة عالية البناء والمعنى. شاعرة تمعن في الشأن الإنساني ومحيطه اليومي. يعدّ هذا الديوان الرابع للشاعرة، والتي توقفت 11 عامًا عن النشر بعد ديوانيها "على شفا الجرح" و"الإشارات الخفية" سنة 2011، ثم استأنفت في عام 2022 بديوان "أخيط على مقاس العطر" الذي فاز بجائزة الأمير عبدالله الفيصل.
يأتي هذا الديوان في قطع متوسط عن دار زهرات البيدر ضمن سلسلة إصداراتها للعام 2025. تقول الشاعرة: "بعد أن احترقت كل دواويني السابقة في الحرب، أتمنى أن يكون هذا الديوان ضحكة للبلاد كلها، ومتفائلة كثيرًا بذلك. وعلى اتساع حركة النشر للشعر العربي، لكن في السودان لم تزل كنوزنا الشعرية مخبوءة، فأنا مجتهدة في العام 2026 لإخراج هذه الكنوز ومحاربة القوقعة والعزلة الثقافية، وسأبدأ بديواني هذا، وهو يسلط الضوء على كثير مما لم أنشره، وأتركه بيد النقاد فهم قوامة المشهد وخلاصته وزبدة ما يمكن أن يخلد في الأذهان. عتبات الأنهار تقول كل شيء للأرض والحياة في خطاب عنيف، والطبيعة بيتي الأول الذي ألجأ إليه، لذا هي مكثفة تلقائيًا به، وأسأل الله أن يجد سبيلاً للقارئ رغم الضغط والنزوح والتشريد والظروف المعقدة لكل بلادنا العربية والأفريقية."
من أجواء قصيدة "حرب تلوح للسنابل" تقول الشاعرة ابتهال تريتر:
"مَعِي إِبْرَة،
مَا مَعِي الخَيْط،
فَافْتَحْ مَزَادًا لِأَقْمِشَةِ الحَرْب،
إِنِّي أَخِيطُ قَصِيدَتَهَا فِي الصَّبَاح،
وَأَفْتِقُهَا حُرَّةً فِي المَسَاء
مُجَزَّأَةٌ،
حَيْثُ تَزْرَقُ رُوحِي أَطِير،
وَأَشْتَقُّ نِيلًا مِنَ المُسْتَحِيل،
وَأَخْنُقُ فِي ضِفَّتَيْهِ البَقَاء
طَرِيقِي مَجْمَرَة،
كُلُّ نَهْرٍ أُسَلِّمُهُ مَانِفِسْتُو النَّقِيِّينَ،
وَالشُّهَدَاء
يَدُسُّ مَدَامِعَهُ فِي جُيُوبِي،
وَيَشْرَبُ مِنْ طِينَتِي الكِبْرِيَاء
أَنَا أَسْلَخُ الشِّعْرَ عَنْ كُلِّ جِلْدٍ،
يُخَزِّنُ تَحْتَ رَصَاصِ الكَلَام،
الكَلَامِ الرَّصَاص،
وَيَنْدَسُّ فِي جُثَّةِ الأَبْرِيَاء
مَعِي مِنجَلِي الحُرُّ،
لَمْ يَتَقَاعَدْ،
مُخَصَّبَةٌ بِالنَّشِيدِ العَنِيد،
وَرَاقِدَةٌ فِي التُّرَابِ الأَبِيِّ
مَعِي كُلُّ مَنْ أَجْهَضَتْهُ الحَيَاة،
وَلَمْ يَنْتَخِبْ زُرْقَةً أَوْ بَيَاضًا،
وَلَمْ يَكْتَحِلْ بِالبَقَاءِ الغَبِيِّ
تَخَلَّتْ عَنِ الرِّيحِ كُلُّ الأَعَالِي،
فَكَمْ جَبَلٍ يَرْقُصُ الآنَ غَضًّا،
وَقَدْ هَزَّهُ بَعْضُ غَيْمٍ صَبِيٍّ
شَرِيدُ المَوَاقِيتِ، لَكِنْ يُصَلِّي،
مَعَ كُلِّ نَافِلَةٍ، نِصْفَ وَقْت،
وَنِصْفَ خُشُوعٍ،
وَنِصْفَ إِمَام،
وَنِصْفَ نَبِيّ
أُلَوِّحُ لِلْقَمْحِ،
كَيْ أَتَعَلَّمَ أُغْنِيَةَ السُّنْبُلَاتِ الصِّغَار،
فَسَاتِينُهُنَّ عَلَى الأَرْضِ عَطْشَى،
يُقَصِّرْنَ مِنْ سَاقِهِنَّ القُمَاش
أُعَوِّذُهُنَّ مِنَ المَشْيِ،
خَلْفَ الوُجُوهِ العِجَافِ،
وَمِنْ حُرْقَةِ الزَّهْرِ عِنْدَ الغِياب،
وَمِنْ عَنْجَهِيَّةِ لَوْنِ الفَرَاش
قَضَتْ سُنَّةُ العِطْرِ،
أَنَّ البِلَادَ الَّتِي...
تَتَثَنَّى عَلَى شَاطِئِ الخَوْفِ،
تُلْقِي قَوَارِيرَهَا فِي الفَرَاغِ،
وَتَنْزَحُ فِي قَارِبٍ مِنْ "غباش"
وَأَنَّ الرِّجَالَ...
صُدُورٌ عَلَيْهَا نُعَلِّقُ أَرْوَاحَنَا،
كُلُّ عُشْبٍ...
لَهُ فِي صُدُورِ الرِّجَالِ ارْتِعَاش"