الأغلبية الحكومية بين خطاب الإصلاح وانتظارات المجتمع

الأسابيع والأشهر المقبلة لن تكون مجرد امتداد روتيني لعمل الحكومة، بل محطة مفصلية لإعادة بناء الثقة وتوطيد العقد الاجتماعي.

الرباط – في زمن يزداد فيه الارتباط بين السياسة والفضاء العمومي، انعقد اجتماع رئاسة الأغلبية الحكومية يوم الثلاثاء 30 سبتمبر/أيلول 2025، في لحظة تبدو أكثر حساسية مما قد توحي به تقاليد الدخول السياسي. فالمشهد الوطني اليوم يتسم بارتفاع منسوب الانتظارات الاجتماعية، وبروز أصوات شبابية جديدة، مقابل الحاجة إلى تسريع وتيرة الإصلاحات الكبرى التي وضعت الحكومة على جدول أعمالها منذ بداية ولايتها.

ما يميز خلاصات الاجتماع ليس فقط التأكيد على استحضار التوجيهات الملكية في خطاب العرش الأخير، بل أيضاً الإقرار بأن مرحلة جديدة من السياسات العمومية باتت مطلوبة. فالملك دعا إلى جيل جديد من برامج التنمية الترابية، والأغلبية التقطت الرسالة باعتبارها بوصلة لسياسات السنوات المقبلة، حيث سيشكل قانون المالية 2026 أول اختبار حقيقي لترجمة هذه التوجيهات إلى مشاريع ملموسة قادرة على تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية، وتحقيق تنمية متوازنة وشاملة.

إحدى النقاط اللافتة في البيان هي الانتباه إلى التعبيرات الشبابية التي ملأت الفضاء العمومي والإلكتروني في الأسابيع الأخيرة. فاعتراف الأغلبية بهذه الدينامية الاجتماعية يعكس تحوّلاً في طريقة التعاطي الرسمي مع قضايا الشباب، إذ لم تعد أصواتهم تُقرأ فقط كحالة احتجاجية، بل كطاقة اقتراحية يمكن استثمارها لتجديد الفعل العمومي. وهذا في حد ذاته نقلة نوعية في العلاقة بين الحكومة والمجتمع، حيث يصبح الحوار والإنصات المدخل لمعالجة التوترات، بدل منطق المسافة أو التجاهل.

القطاع الصحي مثّل بدوره محوراً مركزياً في النقاش. البيان الحكومي لم يُخفِ حجم التراكمات التي راكمها هذا الملف عبر عقود، لكنه شدد في المقابل على أن الإصلاح الجاري عميق وبنيوي، يتجاوز الحلول الترقيعية الآنية. فالمجموعات الصحية الترابية، وتأهيل المستشفيات، والرفع من الموارد البشرية وفق المعايير الدولية، كلها أوراش تُبنى على مدى متوسط وبعيد. والجديد هنا أن الحكومة رحّبت بالمبادرات البرلمانية الداعية إلى نقاش موسع داخل المؤسسات، ما يعكس إدراكاً بأن الإصلاح لا يمكن أن ينجح إلا بشراكة جماعية تشارك فيها كل القوى الحية.

وبلغة أكثر شمولية، جددت الأغلبية تأكيدها على استمرارية تنزيل البرنامج الحكومي المبني على ركائز الدولة الاجتماعية: تعميم الحماية الاجتماعية، إصلاح الصحة والتعليم، تشجيع الاستثمار المنتج، معالجة أزمة السكن والماء، تمكين الشباب، وإصلاح العدالة. كلها ملفات مترابطة تصب في هدف واحد: بناء تعاقد اجتماعي جديد يقوم على الثقة والإنصاف والمردودية.

إن أهمية هذا الاجتماع تكمن في كونه يفتح الباب أمام نقاش عمومي جدي وإيجابي حول قضايا جوهرية تمس الحياة اليومية للمغاربة. فالمجتمع اليوم يتطلع إلى إصلاحات ملموسة لا تُقاس فقط بالبلاغات الرسمية، بل بما تُحدثه من أثر في واقع الصحة والتعليم والشغل والسكن والعدالة الاجتماعية. والأغلبية، وهي تدعو إلى الحوار والانفتاح، تضع نفسها أمام امتحان مزدوج: الوفاء بوعودها الانتخابية، والاستجابة في الآن ذاته لتحولات مجتمع متحرك، شبابي الطابع، شديد التفاعل مع قضايا الشأن العام.

لذلك، فإن الأسابيع والأشهر المقبلة لن تكون مجرد امتداد روتيني لعمل الحكومة، بل محطة مفصلية لإعادة بناء الثقة وتوطيد العقد الاجتماعي. وهو رهان لا يخص الأغلبية وحدها، بل يشمل مختلف الفاعلين السياسيين والمؤسساتيين، ومعهم الرأي العام، في معركة مشتركة لتجديد الفعل العمومي وتعزيز المسار الديمقراطي لبلادنا.