الانقلابات 'معضلة' تنسفُ آمال الديمقراطية في أفريقيا

عدد الانقلابات ومحاولات الانقلاب في القارة يصل إلى تسع خلال الخمس سنوات الأخيرة، ما يخلق حالة من الشك لدى المواطنين بشأن جدوى المشاركة السياسية.

بورتو نوفو (بنين) - في خضمّ الجهود المضنية لترسيخ الديمقراطية والاستقرار في أفريقيا، تعود ظاهرة الانقلابات العسكرية إلى الواجهة مجددًا لتلقي بظلالها القاتمة على المشهد السياسي الإفريقي. وبرز هذا القلق مؤخرًا في غينيا بيساو، حيث أعادت مجموعة عسكرية الاستيلاء على السلطة، وتزامن ذلك مع إعلان إحباط محاولة انقلابية في بنين.

وتثير هذه الأحداث تساؤلات ملحّة حول مصير الانتقال الديمقراطي في المنطقة وتداعيات تكرار التدخلات العسكرية على استقرار الدول والمجتمعات. وخلال السنوات الخمس الماضية فقط، وصل عدد الانقلابات ومحاولات الانقلاب في القارة إلى تسع حوادث، طالت دولاً مثل مالي والنيجر والسودان وغينيا والغابون، وبوركينا فاسو ومدغشقر، وبنين، وغينيا بيساو التي سجلت وحدها منذ استقلالها عام 1974 عن البرتغال عشرة انقلابات عسكرية، بما فيها الانقلاب الأخير.

وفي هذا السياق اعتبر الخبير في الشؤون الإفريقية مصطفى بنموسى أن الانقلاب الأخير في غينيا بيساو أعاد البلاد إلى دائرة عدم الاستقرار السياسي التي عانت منها تاريخيا. وأضاف في حديث مع الأناضول أن "التجارب السابقة أظهرت أن الانقلابات لا تؤدي غالبا إلى تحسين الأوضاع المعيشية، بل إلى مزيد من الاضطراب".

ولفت إلى أن الانقلاب الجديد في غرب إفريقيا "يشكل ضربة لجهود الاستقرار الديمقراطي بالمنطقة، فضلا عن خلق حالة من الشك لدى المواطنين بشأن جدوى المشاركة السياسية".

بدوره لفت الخبير في الشؤون الإفريقية مصطفى بنموسى إلى أن الانقلاب العسكري في غينيا بيساو مؤخرا هو العاشر الذي تشهده البلاد منذ نيل استقلالها عن البرتغال عام 1974.

وحذّر من "تداعيات مباشرة على الدولة، خاصة أنه علق العملية الانتخابية، وأوقف المؤسسات المنتخبة، مما أعاد البلاد إلى دائرة عدم الاستقرار السياسي التي عانت منها تاريخيا".

وأشار إلى أنه على المستوى الشعبي، فإن هذا الانقلاب أدخل المواطنين في حالة من القلق وعدم اليقين، فالتجارب السابقة أظهرت أن الانقلابات لا تؤدي غالبا إلى تحسين الأوضاع المعيشية، بل إلى مزيد من الاضطراب.

وعلى مستوى المنطقة، اعتبر أن "نجاح انقلاب جديد في غرب إفريقيا يشكل ضربة لجهود الاستقرار الديمقراطي بالمنطقة، ويضعف الدور الرادع للمؤسسات الإقليمية مثل مجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا "الإكواس" ويزيد من مخاطر انتقال العدوى إلى دول أخرى، فضلا عن تأثيره المحتمل على الأمن الإقليمي في سياق انتشار الجريمة المنظمة والتهريب عبر الحدود.

أسباب متداخلة لتكرار الانقلابات

وأرجع بنموسى أسباب تكرار الانقلابات بإفريقيا إلى مجموعة عوامل متداخلة، على رأسها هشاشة المؤسسات السياسية، وضعف أداء الحكومات في تحقيق التنمية والاستجابة لمطالب الشعوب.

وشدد على أن "تفشي الفساد وتراجع الثقة بين المواطنين والسلطات، إلى جانب الأزمات الاقتصادية، وغياب الاستقرار الأمني، والتدخلات الأجنبية جميعها تلعب دورا سلبيا يشجع على عودة التدخلات العسكرية في الحياة السياسية".

واعتبر بنموسى أن الانقلابات العسكرية تعد وبالا على الشعوب التواقة للحرية، وتقوض أي مسار للانتقال الديمقراطي عبر تعليق الدساتير وحل المؤسسات المنتخبة وإضعاف الحياة السياسية والمدنية والقضاء النهائي على التداول السلمي للسلطة.

الانقلابات العسكرية تعد وبالا على الشعوب التواقة للحرية

وتابع أنها "تخلق حالة من الشك لدى المواطنين بشأن جدوى المشاركة السياسية، وتدخل الدولة في دوامة من عدم الاستقرار يصعب معها بناء مؤسسات قوية أو تحقيق تنمية حقيقية. بالإضافة إلى أنها تبعد المؤسسة العسكرية عن دورها الطبيعي في حماية الحدود، ويقحمها بدلا من ذلك في إدارة الشأن السياسي".

ويرى الخبير المغربي أن الحد من ظاهرة الانقلابات يستوجب اعتماد ثلاث مقاربات رئيسية على المستويين الوطني والدولي، موضحا أن "الأمر يتطلب تقوية الدولة والمؤسسات المدنية وتعزيز الحكم الرشيد وتبني نظام قضائي محايد يحد من الفراغ السياسي الذي تستغله بعض الجيوش للتدخل في الحكم".

وأشار إلى أن "المقاربة الثانية تتعلق بتفعيل دور المنظمات الدولية والإقليمية، وفي مقدمتها الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة، كآليات ردع من خلال فرض عقوبات صارمة على المنقلبين وداعميهم".

وتهم المقاربة الثالثة، وفق الخبير، تعزيز التعاون بين الدول الإفريقية لمواجهة التدخلات الأجنبية والانقلابات بالوكالة التي تهدد جميع الدول الإفريقية.

انقلاب غينيا بيساو

وفي 26 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، أعلنت مجموعة عسكرية في البلد الواقع غرب إفريقيا، تولي السلطة وفرض السيطرة الكاملة على البلاد وذلك في مؤتمر صحفي عقدته مجموعة عسكرية بقيادة رئيس الدائرة العسكرية في الرئاسة "دنيس نكانها" في مبنى رئاسة الأركان العامة.

وأعلنت المجموعة، التي تُطلق على نفسها اسم "القيادة العسكرية العليا لاستعادة النظام"، سيطرتها الكاملة على البلاد حتى إشعار آخر، مشيرة إلى اتخاذ قرارات بتعليق العملية الانتخابية الجارية وإغلاق حدود البلاد مع السنغال وغينيا.

وجاء الانقلاب بعدما أعلن الرئيس عمر سيسوكو إمبالو الذي يقود البلاد منذ 2020، فوزه في الانتخابات التي جرت في 23 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي. وقال إنه حصل على 65 بالمئة من الأصوات، وذلك قبل إعلان النتائج الرسمية. كما أكد المرشح المستقل فرناندو دياس دا كوستا، فوزه في الاستحقاق. وسبق لإمبالو، أن تعرض لمحاولة انقلابية فاشلة مطلع فبراير/شباط 2022.

محاولة انقلاب بنين

وبعد أيام قليلة فقط من انقلاب غينيا بيساو، وتحديدا في 7 ديسمبر/كانون الأول الجاري، أعلنت مجموعة عسكرية تطلق على نفسها "اللجنة العسكرية لإعادة التأسيس" حل الحكومة في بنين وإقالة الرئيس باتريس تالون. غير أن وزير الداخلية الحسن سيدو أعلن لاحقا إحباط محاولة الانقلاب.

مواقف دولية وإقليمية

وبعد يومين من الانقلاب في غينيا بيساو، علق الاتحاد الإفريقي عضوية هذا البلد في جميع هيئاته بأثر فوري. كما علقت "الإيكواس" عضوية البلد في هيئاتها، وأرسلت وفدا لها للتفاوض لإعادة الأمور إلى نصابها.

وعلى الصعيد الدولي، أعرب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، عن القلق البالغ بشأن الأحداث في غينيا بيساو وأدان بشدة الانقلاب وأي محاولة لانتهاك النظام الدستوري.

وشدد على أن أي تجاهل لإرادة الشعب الذي أدلى بأصواته سلميا خلال الانتخابات العامة التي جرت في 23 نوفمبر يعد انتهاكا غير مقبول لمبادئ الديمقراطية.

وفي بيان صحفي أصدره المتحدث باسمه، دعا الأمين العام إلى الاستعادة الفورية وغير المشروطة للنظام الدستوري، والإفراج عن جميع المسؤولين المعتقلين، بمن فيهم المسؤولون عن العملية الانتخابية، وقادة المعارضة، وغيرهم من الفاعلين السياسيين.

وردا على محاولة الانقلاب في بنين، قالت الجارة نيجيريا إنّها نفذت غارة جوية في مدينة كوتونو القريبة من حدود البلدين، ونشرت قوات برية بناء على طلب بنين لحماية النظام الدستوري، مؤكدة تلبية جميع طلبات الحكومة البنينية.

كما أعلنت مجموعة "الإيكواس" قرارها إرسال قوات احتياطية من نيجيريا وسيراليون وكوت ديفوار وغانا لدعم الحكومة في بنين. وتتكون هذه القوات، والتي أُنشئت أيضا لمواجهة الأزمات في غرب القارة، ومقرها العاصمة النيجيرية أبوجا، من جنود تُرسلهم الدول الأعضاء في أوقات الأزمات.

وأدان أيضا الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في غرب إفريقيا ومنطقة الساحل ليوناردو سانتوس سيماو، محاولة الانقلاب في بنين، وفق بيان صدر عن مكتب المنظمة للاتصالات الاستراتيجية والإعلام العام، وقتها.