التغير والتحول الدلالي في 'قرصة حب' لهمسة يونس

قصائد الديوان تقدم تجربة الشاعرة الفلسطينية بخصوصيتها، وتعبر عن صوتها الخاص دون أن تذوب في أصوات الآخرين.

تلفتنا الشاعرة همسة يونس في ديوان "قَرصة حب"، منذ البداية بعنوانين للقصيدتين باعتبارهما هما المفتاح الذهبي للولوج إلى عالم القصيدة والوقوف على أسرارها. وعنوان القصيدتان "محمد كل جوهره اصطفاء" و"عرار ... في سورة مريم" هما عنوانان جذابان مشبعان بفيض الدلالة، محمد ومريم تحولنا إلى سورة محمد صلى الله عليه وسلم، ومريم رضي الله عنها اللذان ورد ذكرهما في القرآن الكريم في عدة مواضع وفي سورتي محمد ومريم، وهذان الاسمان يرتبطان بالبيئة والمكان الذي تتنفس الشاعرة في رحابه، وقد نقلت الشاعرة لفظة "جوهره" من مدلولها الواقعي المباشر ليسندها إلى مريم، بينما يأتي الاصطفاء متوسطا بين "جوهره" لتؤكد إمكانية أن يكون النقاء والانتقاء أي أنها تحيل الجوهرة بكل دلالاتها من حالة السكون إلى حالة الاصطفاء والحركة وهو ما يشير إلى التغير والتحول من الجماد إلى الحركة ومن القدم إلى الحداثة، وهو ما ينسحب بدوره على رؤية الشاعرة وعالمها الشعري.

وتستهل الشاعرة قصيدتها ببنية سردية تؤكد الحضور الطاغي لعرار .. في سورة مريم ... فهي المكان وهو الاسم الذي تنتمي إليه الشاعرة وتتنفس في أجوائه: مشيت إليك كي آتي إليا ولما ضعت مني، كنت فيا وهو ليس مكانا هامشيا ولكنه مكان فاعل تحاوره وتسائله وتعشقه ويطيب لها أن تطرح في ظلاله أسئلتها الوجودية أو الأيدلوجية أو الفلسفية: أيبكي الموت؟ قلت: بلى، ولولا جلال الله لاعتذر القضاء وتضع الشاعرة من خلالها الماضي إزاء الحاضر باستدعاء الذكريات الماضوية المروية على لسان تراث ديني والتي ترمز إلى الماضي بأصالته وعبقه وما يرتبط به كذلك من عمق السيرة التاريخية.

وتنداح الأسئلة والذكريات من خلال التداعي فتقفز إلى السطح بعض النماذج البشرية التي تخلع عنها الشاعرة ثياب الواقع وتضعها في إطار تجربتها غير النمطية: تجوب النفس، نبحر في هواها تقاذفها الغواية، والرجاء بأشرعة لها من كل ظن مجنحة تطير، ولا سماء غير أن المتلقي لا يكاد يمضي في قراءة النص حتى يستشعر حالة الإحباط والانهزام التي تحاصر الشاعرة وتنعكس على مدلولها: كي نبكيك قد خلق البكاء وتذهل كل مرضعة، وترجو نفوس أن يحل بها الفناء وتؤدي اللغة في بنيتها الرمزية دورا فاعلا في تجسيد تلك الرؤية القاتمة وتموج الصور المجازية بهذه الظلال والألوان التي تعكس الواقع الجهم، فمحمد يركض فوق انكسارات الأعداء، والذات تواجه هذا الواقع المحاضر بالملك الكريم والأنبياء ولذلك فهي تحن إلى ماضيها بمفرداته الجميلة، وتلمس العزاء في الكون الذي علمناه أن يحكي، وتحاول أن تخرج من حالة العجز والهوان الجماعي وتمضي في رحلة البحث عن هويتها ولكن تصطدم بالواقع المحبط بالقوة والقهر وبالتحولات السلبية التي نراها في هذا المشهد الختامي للقصيدة: محمد ليس ببلغه رجال ولا اكون الفسيح، ولا الرجاء فكل الكون يجري لانتهاء وخلق محمد اللا انتهاء أمينا صادقا من قبل يدعي وصبارا إذا اشتد البلاء رؤوفا بالعباد، وكان يضني ويشهد في مشقته جراء.

وتسعى الشاعرة همسة يونس في القصيدتين إلى إيجاد نوع من التقارب بين الشعر والقصة، فتقترب في بعض الأبيات نحو القصة القصيرة ومشهدها وهي أشبه بالوصف الحكائي في القصة القصيرة بمشاهدها السردية ولغتها المكثفة وهو ما نجده في قصيدة "عرار ... في سورة مريم" والتي أهدتها الشاعرة إلى شاعر الأردن الإشكالي عرار.. وفيها تقول: مشيت إليك كي آتي إليا ولما ضعت مني، كنت فيا وما روحي التي تكفي لأحيا لو انك لم تكن في الروح حيا يجددني خلودك حين افنى فانبت .. بعد أن كنت شيا وأهطل من يديك حفيد وجد في غدو الشعر بي رطبا جنيا.

القصيدة تبدو أشبه بالقصة القصيرة إذ تستخدم الشاعرة البنية السردية المكثفة واللغة السريعة اللاحقة التي تشبه البرقيات المختزلة لتبدو القصيدة وكأنها ومضة أو لقطة خاطفة تقتنص اللحظة الراهنة وتقبض على الحاضر وتجسد الحالة حالة الذات المحاصرة للحديث الذاتي والتذويتي، فالمكان هو المكان والوجوه هي الوجوه: يسوع الحب يصلب كل يوم واليوم كالأمس .. إنها حالة السكون التي تحاصر الشاعرة وتسلمها إلى البحث في المشي والاتيان وهو ما يفضي بالشاعرة إلى الاحتفاظ بالتفاصيل الصغيرة وتسجيلها فيما يشبه "المذكرات" اليومية في ذلك: سقى روح البلاد، وظل يطمي ويشرب حزنه الطفل النديافقومي روح (اربد) من سباتوصل ركعتين، وقولي حيا فالشاعرة تجسد أزمة المكان والذات باستحضار تلك الصور العتيقة الموروثة عن إربد القديمة وكأن الشاعرة تعيش حالة البحث الوجداني الذي تحاول الانعتاق منها باجترار وخداع الذات. وثمة تيار من الحزن الشفيف يسري في أعطاف القصيدتين إنه أحيانا حزن وجودي أو ميتافيزيقي ينبعث من إحساس الذات اللاحدودي ... وتارة أخرى بحزن ينبعث من الهم والجمعي وكثيرا ما تطل صورة .. "محمد - نساء - مريم – عرار" كثيرا ما تطل صورة المرأة الحلم من لوحات الحزن كمعادل موضوعي للنقد كما يتضح في هذه اللوحة: تجوب النفس، تبحر في هواها تقاذفها الغواية والرجاء بأشرعة لها من كل ظن منجنحة تطير، ولا سماء وفي مقطع آخر تقول الشاعرة: تقاسمنا شتات الأرض، حتى لأجهل من يكبل لي يديا وهنا بعد ما كنا .. فمن ذا يعيد لحضن مريمنا النبيا إن شطرا كبيرا من المعاناة التي تعيشها الذات يرجع إلى طموحها اللامحدود وإحساسها بقهر الواقع ورغبتها في خلق عالم مغاير للمألوف.

إن هذا الإحساس هو الذي يجعل الذات تطمح إلى ابتكار ضرب من العشق والإبداع كلية، بل إن شطرا آخر من أزمتها ينبعث من الهم القومي ومن الإحساس بالعجز العربي والهوان وما تعبر عنه الشاعرة بحق في القصيدتين اللتان تتكئ فيهما على الصيغة الموروثية في مناشدتها للأنبياء لينفذ منها إلى الأخذ بأيدي الأمة العربية الإسلامية إلى بر الأمان، وذلك من خلال لغة تحتشد بالترجي والمرارة: لو أن الشعر يبعثه نبيلكنت بعثت صديقا نبياولو خيرت طيني عند خلقي لأجلك ... كنت أخلق أردنيا.

وتعتمد الشاعرة على "التناص" بصورة جلية، فكثيرا ما تعمد إلى النص القرآني أو القصص القرآني فتستحضره وتوظفه في سياق رؤيتها لتمنح التجربة ثراء ينبعث من تداخل البيات وتحاورها وهذا متمثل في: ترني الملك الكريم هناك صفا ولا يتكلمون ...والأنبياء وتذهل كل مرضعة، وترجو نفوس أن يحل بها الفناء فيسجد تحت عرش الله نور ويسأل ربه .. حتى ليرضى ويعطي فوق ما يدري العطاء.

ويؤدي التناص دورا فاعلا في تجسيد النزعة الدينية قائلة: وهم ألقوا بيوسفهم بحبوهم يعقوب قد جعلوا عمياوهم قالوا لمريم جئت أمرا وأمهم التي كانت بغياوهم قتلوا صلاح الدين فيناوهم نبذوا أبا ذر قصياوهم يدعو المذاهب، كي ترانا حنيفيا ... يقاتل جعفريا إن صورة عرار التي شهدت الإهداء "إلى شاعر الأردن الإشكالي 'عرار'" تتجذر بقوة في ذاكرة الشاعرة وتظل محفورة في وجدانها وهاهي قصيدة "محمد كل جوهره اصطفاء" تطل بقوة في صورتها والتي تبدو أشبه بمرثية أو بكائية على الذات المحترقة التي انشطرت بين ماضيها وحاضرها وبين أحلامها المستحيلة وواقعها المرير: تجوب النفس تبحر في هواها تقاذفها الغواية والرجاء بأشرعة لها من كل ظن مجنحة تطير، ولا سماء تعربد في مراتعها إلي أنبما كسبت يدب بها البلاء هكذا تتجذر صورة "محمد صلي الله عليه وسلم" و"عرار" الطيب الذي يرمز إلى الأرض المقدسة .. إلى المكان المتجذر في أعماق الشاعرة .. إلى الوطن الحلم .. إلى العشق الخالد ... إلى المان والخير ... إلى التجدد والتغير والتحول والميلاد. إن أهم ما يميز هاتين القصيدتين للشاعرة همسة يونس أنهما تقدمان تجربة صاحبتهما بخصوصيتها، وتعبر عن صوتها الخاص دون أن تذوب في أصوات الآخرين.