غواية الحكي وسحر الإيديولوجيا في 'ساعة نوح'
حين تغدو الرواية صوت الهشاشة والارتياب بدل الحقيقة، لا يمكن أن تنقلها غير أصوات متباينة أو متعارضة في محكيات تلتقي حينا وتتعارض وتتناءى أخرى. في "ساعة نوح" لسفيان رجب (1) ينتشر الارتياب في فضاء الرواية، وتتنامى الحكايات عبر تناوب صوتين على الحكي: صوت بلقاسم (أو بيل قاسم) البحّار المثقف، المهووس بالإيديولوجيا الشيوعية، يشده الحنين إلى الثورة البلشفية حالما بثورة مشابهة في بلاده، وصوت أولغا، الفتاة الأوكرانية الهاربة من صدى الثورات ومن جحيم الحرب الروسية الأوكرانية، لاجئة إلى بلقاسم تستعيد معه عشقه القديم، عشق لا يصمد أمام تقلبات الواقع وأحداثه.
يبني الكاتب معمار روايته وفصولها في شكل حبات رمل وندفات ثلج (عناوين الفصول) تنسكب في ساعة رملية هي ساعة نوح، المجنون الذي يجلس في خيمته، يصغي إلى الحكايات تروى له وفق ما يسمح به توقيت ساعته الرملية. فتتشكل الفصول موجزة في حجمها، حبات متناثرة في فضاء الرواية، تستثير حكايات الشخصيات في المتلقي أسئلة كبرى يولدها فضاء التأويل، عن الحكي بين وظيفتي الكشف والتقنع، عن الهوية والإيديولوجيا، عن التاريخ بين التكييف السياسي والتخييل الروائي.
جماليات الحكي ووظائف الكشف والقناع:
تفضي جولة بلقاسم وأولغا في ميناء بنزرت العتيق إلى التعرف على شخصية نوح، رجل يجلس على الرصيف داعيا كل من يقترب منه إلى رواية حكايته للرمل، مستعينا بساعة رملية تحدد زمن الحكي. يغدو نوح بعدها ذاك المتلقي الصامت لحكايات كل من عصفت به رياح القلق والوحدة واليأس، يرويها أمامه أو بعيدا عنه: قصة أولغا وهروبها من حرب بوتين لاجئة مع ابنتها المقعدة إلى الشمال التونسي (مدينة بنزرت)، قصة بلقاسم أو "بيل قاسم" كما تناديه أولغا، ذاك الشيوعي المهووس بلينين والحالم بتغيير العالم، حكاية أمجد الأناركي أستاذ الفلسفة وصاحب المخطوط الذي سيؤدي إلى هلاكه، حكاية جدّ بلقاسم المكنّى بلينين الأسود وهروبه إلى جزيرة جالطة.
يبدو الحكي في رواية "ساعة نوح" ضربا من البوح يخلّص الشخصيات من الكبت وما يولّده من تعقيدات الحياة والواقع. تقول أولغا: "تتعفن الحكايات حين نحبسها داخلنا ولا نخرجها إلى الشمس. تصبح عقدا وأمراضا نفسية، وتصبح أرواحنا بركا آسنة" (ص47). بل تغدو الحكاية الشاهد الوحيد على الحياة والوجود، فإقامة الإنسان الحقيقية "ليست في الزمان وليست في المكان بل هي إقامته في الحكايات الجميلة، فهي الوحيدة التي تظل شاهدة على وجوده بعد رحيله" (ص337).
تنكشف في الرواية وظيفة الحكي باعتباره خلاصا وعلامة هوية ووجود، وإن تلبّس أحيانا كثيرة بأقنعة التخفّي، وإن تضاربت فيه الرؤى وتعددت القراءات. يستلهم تعريف بول ريكور للهوية السردية "ذلك النوع من الهوية الذي يكتسبه الناس من خلال وساطة الوظيفة السردية" (2) حيث تكون "الحياة بمنزلة القصة، أو القصص التي نرويها عنها". ويعمد سفيان رجب إلى تأكيد هذه الصلة بين السرد والحياة في إحدى عتبات الرواية محيلا على دوستويفسكي: "كيف يمكنك العيش دون أن تكون لك قصة ترويها؟"
يمكن القول إن رواية سفيان رجب رواية ما بعد حداثية تقوم على ترميم شظايا الحكايات، فهي تنمو بتنامي الحكايات الفرعية وشظايا الخطابات المختلفة. يستلهم الكاتب فيها أحيانا السرد التاريخي مستحضرا بعض أعلامه ومحطات كفاحهم (لينين، ألكسندر باروس، ماركس)، ويستعير من العجائبي سحره وتخييله (سحر القزم الأسود)، ومن الأساطير والأديان بعض رموزها (الطوفان – نوح – دوموفيك). بل تتحول أحيانا إلى رواية داخل الرواية وكتابة عن الكتابة. يقول الأب الهادي مخاطبا أولغا: "يبدو أنه سحرك بأسلوبه في الحكي، فالملعون قد طوّر قصة جدّه وحوّلها إلى ملحمة". وتؤكد أولغا قائلة: "ألا ترى أن أقزاما كثيرين عملقتهم الروايات؟"
وتفسح الرموز للمتلقي أفقا رحبا لملء الفراغات وتأويل ما يتخفى وراء الحجب، تتشكل بها جمالية الرواية وفرادتها. تتوالد من رمزية الأسماء والأشياء والأماكن والشخصيات آفاق ودلالات رحبة: من ذلك اسم نوح وإحالته على معاني إنقاذ العالم وتطهيره من الشر، شخصية "نوح المجنون" متلقيا للحكايات حتى تتطهر النفوس مما علق بها من عفن الواقع، ولادة "نوح الصغير" مؤشرا لبداية عالم جديد، اسم "بيل قاسم" منشطرا بين هوية الشمال (بيل) والجنوب (قاسم) محيلا على الاستلاب والانفصام في الثقافة والهوية، يتشكل في انفصام مرضي عاشته الشخصية ووصلت به حدّ الجنون. رمزية الثلج (أو الماء) والرمل تبنى بهما الحياة وترتوي الأرض كما تبنى الرواية وتكتمل الحكاية. رمزية الحكي تنهض به الشخصيات تجديدا للحياة وبناء للهوية وفعلا متجذرا في التاريخ.
من يكتب التاريخ؟
يتعالق في رواية سفيان رجب التاريخي بالتخييلي، إذ يستحضر الكاتب أحداثا تاريخية مرجعية وأسماء شخصيات عاشت وقت الثورة البلشفية أو ساهمت في التنظير لها (لينين، ألكسندر باروس...) مع شخصيات أخرى واقعية هربت من نار الحرب في روسيا مثل أناستازيا شيرنسكي اللاجئة الروسية إلى بنزرت، وهي التي دونت سيرتها في كتاب "بنزرت المرفأ الأخير" وسجلت فيه حكاية اللاجئين الروس الناجين من المذبحة البلشفية وقدومهم إلى مدينة بنزرت سنة 1920، ليلتبس الأمر على القارئ في تمييز الحدّ الفاصل بين التخييل وبين الأحداث التاريخية المرجعية.
تعمد الشخصيات الروائية إلى دحض السردية التاريخية التي تتردد في أفواه الناس بالتشكيك فيها حينا أو بكتابة سردية مضادة. ولعل قصة جدّ بلقاسم "الشيوعي الأول في بنزرت" في صياغاتها المتعددة والمتضاربة مثال لهذه المراوحة والجدلية بين التخييل والتاريخ. فقصة جدّ بلقاسم يتداول على روايتها عدة رواة، منهم الحفيد "بيل قاسم" المفتون بجدّه وتاريخه، ويرويها الأب "الهادي" والبحّار حميدة النجار بصياغة مخالفة، ويكتبها في شكل رواية أستاذ الفلسفة المثقف "أمجد الأناركي"، ثم تعيد صياغتها أولغا في كتابة جديدة. ويحلو لكل راو من هؤلاء إسناد أسماء وصفات مختلفة لشخصية الجدّ، فهو حينا لينين الأسود أو بلقاسم مرزوق (اسمه الأصلي)، وهو أيضا "قزم جالطة"، أو القزم القوّاد مهرّج الباي، أو هو عيواظ الأحمر. تلتقي الحكايات في بعض الأحداث وتتضارب في أخرى، تتعارض في تأويلها والتفاعل معها، فتتشكل حكاية الجدّ حينا رواية تاريخية أو ملحمة، وقد تتحوّل مجرد حكاية شعبية مسلّية للمتلقين.
ترمي "ساعة نوح" القارئ في أتون المفارقات بين تقديس التاريخ وتحريفه، بين الموضوعية والذاتية في نقل أحداثه، بين المرجع والتخييل حيث تتعارض المواقف وتتصادم الإيديولوجيا مع الخبر. تستعيد أصداء جدل نقدي قديم متجدد عن الرواية بين التسجيل والتخييل.
المثقف والإيديولوجيا وطواحين الهواء:
لم يكن التاريخ وحده محور السؤال والجدل في رواية "ساعة نوح"، إذ وضعت الإيديولوجيا أيضا على محكّ التشريح وبدت محورية في بناء شخصية بلقاسم. تمارس الإيديولوجيا سحرها وغوايتها، فينساق المثقف لخطابها مصارعا طواحين الهواء. تفضح الرواية ضربا من المثقفين يعيشون الحاضر بأوهام الماضي، ويعجزون عن فهم الواقع، بَلْهَ عن مواجهته. إذ تتبدّى شخصية بلقاسم منذ الفصل الأول (قبل الطوفان) غرائبية في نظرتها للعالم، تشي بضرب من الجنون تنكشف أعراضه في بقية الفصول.
فبلقاسم بحّار في مدينة بنزرت يحمل منذ مراهقته أحلاما ثورية بعد أن سحره الخطاب الإيديولوجي الشيوعي، مما جعله يبحث في تاريخ جدّه عن بطولات وهمية معتبرا "أنه الشيوعي الأول في مدينة بنزرت بل في شمال إفريقيا"، رافضا كل الروايات التي تؤكد أن هذا الجد كان قزما أسود وأنه قد عمل مهرّجا في قصر الباي باستعراضاته البهلوانية.
ورغم أن هاجس بلقاسم كان السعي إلى كشف حقيقة هذا الجد أو هذا البطل الثوري، فإنه سيعمد عبر كامل الرواية إلى نسج حقيقة أخرى واحتكارها في ديكتاتورية فكرية تصل حد العنف، أفضت إلى سرقة مخطوط صديقه أمجد الأناركي ثم قتله، رفضا للتأويل المخالف، مجسدا تهديده: "إذا قام أحد المؤرخين الجامدين في كلية 9 أفريل ولغا بما يتنافى مع هذه الوقائع، فسأتكفل بتكسير فمه بلكمة، وأصنع من أسنانه مسبحة للشيطان، وأعلّمه أن كتابة التاريخ دون تخييل وانتحال لخدمة القضايا البشرية هو مجرد سرد بارد يعيد إنتاج الهراء" (ص276).
تتجلى ملامح انفصام المثقف في علاقته بالواقع عبر رفض كل تأويل غير منسجم مع قناعاته الفكرية. فلقاء بلقاسم وأولغا لم يكن في نظر بلقاسم محض صدفة، بل هو "إشارة واضحة لانبعاث الثورة الأممية ضد النظام الرأسمالي". حتى الشتائم التي كانت تكال لجده أصبحت مصدر فخر لبلقاسم، حيث تؤكد وجه التشابه بين جده ولينين لا في الأفكار فحسب، بل في الشتائم، مما جعل أولغا تسمّيه "ببغاء لينين".
لم تكن الأدلجة سوى ضرب من حنين إلى زمن مضى، قناعا يحتمي به المثقف هروبا من غربته في العالم، وصراعا مع طواحين الهواء. وبذلك يمكن اعتبار شخصية بلقاسم في رواية سفيان رجب نقدا للمثقف المستلب الذي تحاصره الاستيهامات، أو ذاك الذي يمارس ديكتاتوريته الفكرية وعنفه الرمزي باسم الحقيقة والحرية، شغله الشاغل كما يراه علي حرب "حراسة أفكاره في مواجهة الواقع والتطوّرات".
بين غواية الحكي وغواية الإيديولوجيا، تشيد رواية "ساعة نوح" عالمها التخييلي باستراتيجيات سردية متنوعة تجعل القارئ طرفا في بناء العالم التخييلي وإعادة تنظيمه.
لقد رسمت رواية سفيان رجب ملامح المثقف العربي يعيش انشطارا فكريا وضربا من الاغتراب والانفصام، في غياب تام للروح النقدية، ووهم امتلاك الحقيقة، باحثا عن بطولات وهمية في تراثه، محتميا بإيديولوجيا تلبسه قناع ثورية زائفة وتبرر له مصارعة طواحين الهواء. وكأن الكاتب بتقزيمه الإيديولوجيا يؤسس للبديل الذي سيحرر الإنسان من الأوهام. فتعدد الحكايات في "ساعة نوح" يؤكد أن الحكي (السرد) هو الأداة الأنسب لقراءة الواقع وفهم العالم، وأن الحكاية هي السبيل لمعرفة الذات، وهي التي تفتح آفاقا للتفكير وتحرر المتلقي من الأوهام، وهي الشاهدة على الوجود بعد الرحيل.
ومع ذلك تبقى الأسئلة قائمة: كيف يمكن للحكاية أن تحرر الإنسان من الوهم وهي القائمة على التخييل؟ أيّ خلاص يمكن أن تحققه الوساطة السردية للإنسان؟
الإحالات:
1- سفيان رجب: ساعة نوح، دار روايات للنشر، تونس، ط1، 2024.
2- الوجود والزمان والسرد: فلسفة بول ريكور، ترجمة سعيد الغانمي، المركز الثقافي العربي، ط1، 1999، ص253.