السينما المغربية والتاريخ الغائب
يعج تاريخ المغرب بمحطات مفصلية وشخصيات عظيمة وصراعات ملحمية تمتد من الممالك الأمازيغية القديمة إلى الدولة العلوية الحديثة، بينما السينما المغربية ما زالت في معظمها أسيرة مواضيع اجتماعية معاصرة أو كوميديا خفيفة، فيما يبقى التاريخ بكل غناه، مهمشا أو يستحضر في لمحات باهتة، وهذه المفارقة تطرح سؤالًا نقديًا: لماذا لا يتجه كتاب السيناريو وصنّاع الأفلام إلى التاريخ باعتباره مادة درامية أساسية تصنع الفرق في تجارب الأمم السينمائية الكبرى؟
يفوت المبدعون المغاربة فرصة استثمار التاريخ لبناء هوية بصرية متميزة، إذ أن الأعمال التي تتناول الماضي هي تجسيد لروح الأمة على الشاشة، ويكفي النظر إلى التجربة المصرية أو التركية أو الإيرانية لندرك أن قوة السينما لا تنفصل عن عمقها التاريخي، وحين تروي هذه الدول ماضيها، فهي من المؤكد أنها لا تُخاطب فقط أبناءها، وإنما تقدم سرديات إنسانية تبقى راسخة.
ويُعمّق غياب التاريخ في الإنتاجات المغربية الفجوة بين المتلقي وتاريخه، ويجعل الأجيال الجديدة أكثر عرضة للنسيان أو لتمثلات سطحية تستوردها من الخارج، فصناعة السينما هي وسيلة لتثبيت الهوية وترسيخ الذاكرة، لكن تجاهل هذا الرصيد يجعلنا ندور في دائرة ضيقة من المواضيع المكررة، عوض فتح نوافذ على عوالم ملحمية وغنية من أصلنا وجذورنا.
ويُحتم إدماج التاريخ في الدراما المغربية إعادة التفكير في آليات التمويل والإنتاج، لأن الأعمال التاريخية مكلفة من حيث الديكور، الملابس، المؤثرات البصرية والبحث الوثائقي، بينما التجارب العالمية أثبتت أن الشراكات الدولية، والرهان على المسلسلات عوض الأفلام الضخمة، يمكن أن يقدما حلولًا عملية.
ويعتبر المغرب بثرائه الطبيعي والمعماري، مؤهلا لأن يكون فضاء تصوير لأعمال تاريخية عالمية، شرط أن يبادر أبناؤه أولًا إلى تملك تاريخه فنيًا، إذ يُغني استحضار المؤرخين إلى جانب كتاب السيناريو عملية الكتابة ويمنحها دقة ومصداقية، فالخطر الأكبر الذي يواجه الأعمال التاريخية هو الوقوع في التبسيط الفج أو التوظيف الإيديولوجي الضيق، ووحده التعاون بين الأكاديمي والفني قادر على إنتاج مادة متوازنة تُحافظ على الصدق التاريخي دون أن تفقد روحها الدرامية.
ويظل غياب التاريخ عن السينما المغربية علامة نقص لا يمكن تبريرها، فالتاريخ هو وقود يمدّه بالمعنى والوجود، وإذا كان صناع السينما في المغرب يتطلعون إلى العالمية، فإن الطريق يمر عبر استثمار هذا الرصيد الاستثنائي، وآن الأوان أن يتحوّل التاريخ المغربي من كتب المدارس رغم ضعفها إلى شاشات السينما، لأن الأمم التي لا تروي ماضيها محكوم عليها أن تُروى بعيون الآخرين.