الفلسفة وحلبة المناورة

فنّ إدارة الحياة: الرواقية والوعي الجسدي في فكر سعيد ناشيد.

تعدّدت المدارس الفلسفية على مرّ التاريخ، وبرزت التيارات الفكرية المعبّرة عن النضج العقلي للإنسان في إطار نشاطه المستمر للانفصال عن نسق التفسيرات البدائية لفهم الوجود والحياة، ويبدو أنّه مع القفزات التي حقّقها العلم وفتوحاته النوعية في معترك الاكتشافات الكونية، يجب إعادة النظر في دور الفلسفة وتحديد ملعبها؛ لأنّ الحديث عن المنحى الشمولي لوظيفة الفلسفة لم يعد سوى تبذير لفظي. وهذا ليس انتقاصاً لقيمتها بقدر ما هو محاولة لإعادة التموضع ضمن هيكلية العصر وتحدّياته، تمهيداً لتفعيل أدوات الفلسفة وآلياتها العقلانية في صيرورة الحياة المعاصرة. لا شكّ أنّ الاشتغال وفق هذا المبدأ يجنّب الفلسفة وضعية التمجيد الدوغمائي، كما يوفّر الفرصة في الوقت ذاته لاختبار مستوى آخر من إمكانياتها الفاعلة وتجديد خلاياها. لذلك فإنّ المدخل التجريدي للفلسفة قد يكون أقلّ تأثيراً وإقناعاً بالنسبة إلى مزاج العصر، وهذا ما لاحظه جلّ الفلاسفة المعاصرين والمهتمّين بالمنحى السلوكي للفلسفة. وبالطبع فإنّ الخطوة الأولى في إطار هذه المساعي يجب أن تبدأ بالتأكيد على ما قاله الفيلسوف الرواقي "سينيكا" بأنّ الفلسفة لا تستثني أحداً ولا تختار أحداً دون غيره، بل يسطع نورها على الجميع.

وبالعودة إلى المنهج الرواقي يتبيّن أنّ الغاية من الفلسفة ليست الاستعراض ولا التحذلق اللساني، إنما محاولة لإنشاء دليل عقلي يُحسّن من جودة الفرصة الوجودية. ومن المعلوم أنّ الإيمان بصوت العقل مبدأ جوهري في علبة الرواقي، ولا يعني ذلك أنّ الفيلسوف الرواقي ينصرف إلى التأمّل والهموم الذهنية متجاهلاً الخبرة والواقع؛ لأنّ التجربة الشخصية هي منجم ينهل منه الرواقيون مادّتهم الفلسفية، كذلك يكون الانفتاح على تجارب الآخرين وما يحفل به الواقع الحياتي من نشاط متنوّع، سواء تجلّى ذلك في الرياضة أو بقية الاهتمامات الإنسانية، رافداً في مدوّنة أتباع زينون.

الأسلوب الشخصي

لا يحيد المفكّر المغربي سعيد ناشيد عن هذا المنحى، فإضافة إلى خلفيّته المعرفية وما راكمه من الثقافة الفلسفية، يُدرج ناشيد درايته بالفنون الجسدية من الكاراتيه والجودو والكونغ فو في سياق تأمّلاته الفلسفية المكتوبة بصيغة الرسائل في كتابه "نقد القوّة". العنوان يحيلنا إلى مقولة الفيلسوفة الفرنسية "سيمون فايل" التي تفيد بأنّ القوّة لا ترحم الشخص الذي يمتلكها أو يعتقد أنّه يمتلكها، كما أنّها لا ترحم ضحاياها؛ فإذا كانت تسحق الفئة الأخيرة فإنّها تسمّم من يتباهى بها. الأمر الذي يؤكّد صحّة الفلسفة الآسيوية التي تقوم على ثلاثة مبادئ يذكرها سعيد ناشيد في كتابه: من يستنزف الآخر أولاً؟ من يثير غضب الآخر أكثر؟ من يتصيّد أخطاء الآخر أكثر؟ إذن، ما يسكب الأفضلية للإنسان ليس القوّة بل المرونة في المواجهة، وإنّ جوهر القوّة، كما يقول مؤلّف "الوجود والعزاء"، يكمن في حسن تدبير القوّة.

سبق للحكيم الصيني لاوتسه أن عبّر عن رؤيته حول هذا الموضوع، مشيراً إلى أنّه في الصراع بين الصلابة والمرونة ترجح كفّة النصر لصالح الأخيرة. ما يكون له دور لافت في المعادلة الحياتية هو الأسلوب، ويشير سعيد ناشيد إلى عدد من الشخصيات الفنية والرياضية كان أسلوبهم المتفرّد خميرةً لنجاحهم على الرغم من الأزمات التي عانوا منها وهم في مرحلة مبكرة من العمر. هنا يذكّرنا ناشيد بنجم كرة القدم الأرجنتيني ليونيل ميسي، الذي لم تكن بداياته بعيدة عن أزمات صحّية، لكن تفوّقه في الاقتصاد الحركي والكفاءة الإدراكية قد وضعه في صفّ أساطير الساحرة المستديرة. كذلك فإنّ مؤسّس رياضة الجودو، جيغورو كانو، قد عانى من ضعف البنية الجسدية في صباه، كما أنّ نجم الكوميديا روان أتكينسون "مستر بين" لم يسلم نطقه من التعثّر. أخيراً وليس آخراً، فإنّ النجم الإيفواري سباستيان هالر قاد منتخب بلاده للفوز بكأس الأمم الأفريقية 2024، مع أنّه كان عائداً من رحلة صراع مضنٍ مع مرض السرطان. هذا كلّه شاهد على أنّ الضربة التي لا تقضي عليك تقوّيك، وبالتالي فإنّ ذكاء الجسد يكمن في الأسلوب وحسن توظيف طاقاته.

ومن الملاحظ أنّ اللاعب الذي ينجح في مراوغاته بالكرة يتحرّك بالحسبان، فلا يستنزف طاقته دفعة واحدة، إنما يرصد الثغرات في الفريق المقابل. يلفت ناشيد الانتباه إلى أنّه في فنون البودو يوصي المعلّمون البارعون المبتدئين بأن يعثر كلّ واحد منهم على أسلوبه، وهذا يحيل إلى مقولة "بوفون": الإنسان هو الأسلوب. ما يظهر تضاريس النهج الرواقي في تأمّلات سعيد ناشيد هو صياغة استعاراته من المعجم الرياضي، ومن المؤكّد أنّ ما يقوم عليه فنّ إدارة الحياة لا يختلف عن قواعد الفنون القتالية، وقد نبّه ماركوس أوريليوس إلى أنّ فنّ العيش يشبه المصارعة أكثر ممّا يشبه الرقص؛ فإنّ خسارة أي مبارز أو لاعب تكمن في استخفافه بالمقابل وعدم تقديره للوقت. كذلك الأمر في الحياة، فلا ينجم من الشعور بالاستعلاء غير الاستغراق في الوهم، كما أنّ الاستياء ينشأ من الجهل بقيمة الزمن.

على غرار آرثر شوبنهاور، يرى سعيد ناشيد بأنّ مصدر كثير من مشكلات الإنسان هو هروبه من نفسه وعدم الالتفات إلى إصلاح ما ترسّب في صندوق الرأس: "ما يحدث في عقل الإنسان يكون أكثر إيلاماً ممّا يحدث في الواقع نفسه". فبرمجة العقل على الأفكار التي تلقي بالمرء إلى مستنقع سلوكيات غير إيجابية من الملل والتعلّق والاستنزاف الروحي، تضاعف الشعور بالشقاء وتزيد من الإحساس بالتذمّر، إلى أن تفرغ الروح من موجاتها التائقة إلى الأصالة الوجودية. هنا يجب الإشارة إلى أنّ الجسد ليس عالماً مفارقاً عن التكوين الجسدي، بل هناك تفاعل وترابط بين الطرفين؛ فإنّ استهلاك الجسد وحمله على ما يخسره الرشاقة وكفاءته الإدراكية يفتح الطريق للكوابيس المهاجمة على العقل، كما أنّ التوتّر العصبي يفرض على الجسد سلوكيات غير مستقيمة.

يذكّرنا ناشيد بأنّ الجسد خير مستشار للإنسان؛ لأنّه موجود بهذا التمظهر الذي يعبّر عن كينونته. ومثلما يقول صاحب "التداوي بالفلسفة"، فإنّ ما يفاجئنا به الرياضيون من المهارات والفنّيات العالية يكشف عن الطاقة والإمكانيات الجسدية التي لا تُستنفد. أكثر من ذلك، فإنّ جلّ المهارات المكتسبة يتعلّمها الإنسان من خلال الجسد، وهو ليس كتلة تتحرّك من مكان إلى آخر، بل أداة للتفكير، وهذه الحقيقة يدركها كلّ من يراقب إيقاع التفكير التابع لحركة الجسد أثناء المشي. والأهمّ ممّا سبق تناوله أنّ الجسد يتجاوب مع خيال صاحبه؛ فما يكون قيد التخيّل يخزّنه الجسد، والدليل على ذلك أنّ الفيلسوف الفرنسي ميشيل سير قد أشار، وهو بصدد الحديث عن تجربته في تعلّم السباحة، إلى أنّ معلّمه قال له: واصل تعلّم السباحة في الماء، فهذا جيّد، لكن عليك أن تتخيّل أنّك تسبح.

يعيد سعيد ناشيد إلى الذهن ما ينصح به الخبراء الرياضيون المصابون بالوعكة الصحّية بضرورة متابعة المباريات وأجواء الملعب؛ لأنّ ذلك يطبع مزاجهم الجسدي مع المهارات الفنية. لا يبتعد خطّ الكاتب عن أدبيات اللعبة والحكمة المضمرة في الرياضات الآسيوية، إذ يستجلي مغزى قصة نشوء الفن القتالي الأشهر في العالم "الكاراتيه"، رابطاً ذلك بنهضة اليابان. تعود بداية ظهور هذه المهارة إلى جزيرة أوكيناوا، حيث فُرض على سكّان الجزيرة حظر استخدام الأسلحة في القرن السادس عشر، غير أنّ الأهالي نجحوا في تطوير فنّ قتالي يمزج بين الساموراي وتقاليد فنون القتال الصينية، وانتشر باسم "اليد الصينية" قبل أن يذيع صيته في العالم باسم "كاراتيه" بمعنى "اليد الفارغة" والتخلّي عن السلاح. وعلى خلفية هذا التكوين الثقافي لا يصعب عليك فهم سرّ صعود اليابان مجدّداً بعد هزيمتها في الحرب العالمية الثانية وتقييد حدود تسلّحها.

وفي الواقع، فإنّ ذلك كلّه يقودنا إلى مبدأ التخلّي الذي تؤكّد عليه الفلسفة الرواقية. وقبل توضيح ما يعنيه التخلّي في برنامج الشخص الرواقي، لا بدّ من التذكير بأنّ الرواقية ليست فلسفة زهدية متقشّفة، إنما تنشد الاعتدال في طريقة العيش وضبط النفس، ولا تنكر حقّ الإنسان في التلذّذ بما هو متوفّر، غير أنّه إذا لم يعد لديه ما كان يتمتّع به، يجب ألّا يقع في مطبّ التعاسة والاستسلام إلى أمواجها القاتمة. ويدعو سينيكا، الذي كان يعيش حياة مترفة، إلى عدم تجاهل هذه الحقيقة: "أن يمتلك المرء كلّ ما يتمناه هو شيء ليس بمقدور الإنسان". عليه، لا يُعقل أن تمضي حياتك في دوّامة جملة من التمنّيات التي لو فعلياً تحقّقت قد لا تبدّل إلّا مظاهر معيشتك، ولا يكون ذلك بالطبع إلّا على حساب الوقت والسكينة النفسية. ومن المعلوم أنّ ما يرغب إليه عموم الناس لا ينبع من الحاجة وليس من المتطلّبات الضرورية، بل يعكس هذا التهافت ما يسمّيه سينيكا بالقوّة التنويمية لعقل الجماعة. وهذا لا يقتصر على مجال الاستهلاك السلعي، بل تراه ظاهراً في الانسياق مع الأفكار الرائجة، بما فيها الأفكار الفلسفية التي قد تتلبّس طابعاً مشعوذاً. إذ التخفّف لا يتحقّق بالوعي الاستهلاكي فقط، بل يتطلّب نقد الأفكار والعلاقات، وأن تكون مقتصداً في كلّ ما لا يخدم الطاقة الحيوية.

روح الإنسان

يُنسب إلى زينون من كيتيوم رسم قواعد المدرسة الرواقية، ويرى المفكّر الأميركي "ويليام ب. إرفين" بأنّ هذا التيار الفلسفي مزيج من معطيات ثلاثة روافد، وهي: الكلبيّة، والميغارية، والأكاديمية. لكن بذرة المبادئ الرواقية نشأت مع سقراط؛ لأنّ فيلسوف أثينا هو أوّل من طوّع نشاطاته المعرفية لاكتشاف روح الإنسان، حسب تعبير فرانسيس ماكدونالد. لعلّ ما يكسب الرواقية أهمية أنّها لا تعد الإنسان بالحلول المضلّلة ولا تبشّر بوصفات سحرية، كما لا تطالب بالتبعية والولاء لشخص. يقول سينيكا: "أنا لا أربط نفسي مع أستاذ محدّد من الأساتذة الرواقيين، أنا أيضاً لي الحقّ أن أُكوّن رأياً".

من الأسئلة التي تحوم حول النقاشات التي تدور عن وظيفة الفلسفة: أين فوائد الأفكار التي شاعت وظهرت في عصر غير عصرنا؟ في الحقيقة، إنّ طبائع الإنسان لم تتغيّر منذ أن استوت قامته ماشياً؛ فالملل والتعب والجشع والخوف والقلق من أبرز الأسباب التي تؤرّقه وتنقص من جودة حياته، وما تأخذه الرواقية مأخذاً جدّياً هو العمل على ترويض تلك الانفعالات وتقديم الآليات التي تُقلّم جناح الوهم. زيادة على ما سلف ذكره، فإنّ الثقافة الرواقية تمكّنك من النظر إلى دعاة الفلسفة المعاصرين نظرة نقدية، ولا تصرف الانتباه عن منطقة الأمان التي يتحرّك فيها الفلاسفة الجدد وحريّتهم في التنقّل، هذا الترف الذي كان يفتقد إليه أسلافهم. على أيّة حال، يبدو أنّ الفلسفة خسرت مقوّماتها الدعوية والخلاصية، وهذا أمر إيجابي، وأصبحت حلبة لتعلّم المناورة.