الفنون الدرامية تتجاهل رسالتها النبيلة وتخدم الأجندات الخارجية

النصوص المسرحية والمسلسلات المغربية تتحول لأداة تخترق الهوية الأصلية للشعب بحجة مواكبة العصر.

تقوم الفنون الدرامية بدور محوري في تشكيل وعي الشعوب وتوجيه ذوقها العام، كونها كانت تمنح الجمهور فرصة للتأمل في قضاياه الكبرى، وتفتح أمامه مجالاً لفهم ذاته ومحيطه، كما كانت تستمد قوتها من التصاقها بالواقع الاجتماعي والثقافي، وقدرتها على محاكاة تفاصيل الحياة اليومية برؤية فنية نبيلة، عندما كانت تكمن رسالتها في نقل القيم الأصيلة، وتوثيق الذاكرة الشعبية، وحماية الهوية من التفكك، غير أنّ هذا الدور بدأ يتعرض للتشويه مع بروز إنتاجات تبتعد عن جذورها، وتستسلم لضغوط خارجية تفرض عليها أنماطا وأساليب غريبة.

وتنحرف مجموعة من الأعمال المغربية الحديثة عن مسارها الطبيعي، وتفقد أصالتها من خلال تقليد أنماط أجنبية مستهلكة، وتستنسخ هذه الأعمال قصصاً جاهزة وأساليب سرد دخيلة، فتحاكي الدراما التركية أو الغربية في تفاصيلها الشكلية والموضوعية، وتُقدم للجمهور صورا بعيدة عن بيئته، وتختزل هويته في قوالب سطحية لا تمت إلى عمق الثقافة المغربية بصلة، وتتحول بذلك من أداة للتنوير إلى وسيلة لتشويه الوعي.

ويؤكد مالك بن نبي في "شروط النهضة" أن الاستعمار الثقافي غالبا يجد منفذا من خلال استعداد داخلي يقبل هيمنته، وتبرز هذه الفكرة في الدراما المغربية حين يندفع بعض المنتجين والمخرجين وكتاب السيناريو إلى تقديم أعمال تتنكر لجذورها، وتتبنى مقاييس دخيلة بحجة مجاراة العصر، ويتحول هؤلاء إلى أدوات تنفذ أجندات غير معلنة، تفتح الباب أمام إعادة صياغة الذوق العام وفق ما يريده الآخرون.

ويشير إدوارد سعيد في "الثقافة والإمبريالية" إلى أن القوى الكبرى توظف الأدب والفن لإعادة تشكيل وعي الشعوب المستهدفة، وتؤكد التجربة المغربية هذه المقولة، إذ نجد أعمالاً كثيرة تنشغل بإثارة مواضيع هامشية، وتركز على علاقات مثيرة للجدل أو صراعات مفتعلة غالبا أسرية وتكسر مفهوم الأسرة، بينما تغيب القضايا الجوهرية التي تمس المجتمع كالتربية، ومشاكل التعليم، البطالة، الصحة، الدين الإسلامي الحق، الثقافة المغربية الأصيلة وتاريخ المغرب، والتحولات الاجتماعية الكبرى نادرا ما تجد لها مكانا في الدراما، رغم أنها أولى بالمعالجة وأكثر تأثيرا في حياة الناس.

وتضع هذه التحولات الهوية المغربية أمام خطر حقيقي، لأنها تفرغ الدراما من وظيفتها الأساسية وتقدم صورة باهتة عن الثقافة الوطنية، وتتحول الخصوصية إلى عائق وهمي في مواجهة ما يسمى بالتطور، في حين أن تاريخ المغرب يؤكد أنه استطاع أن يتفاعل مع روافد مختلفة: الأمازيغية، العربية، الإسلامية، الأندلسية والأفريقية، من دون أن يفقد جوهره. ويصبح التهديد كبيرا عندما تقدم الدراما صورة هجينة عن المغرب، فيبتعد الجمهور عن أعماله الوطنية وينجذب أكثر نحو الإنتاجات الأجنبية.

وتفرض هذه الوضعية تحديات كبيرة على صناع القرار الثقافي والفني في المغرب، إذ يصبح من الضروري الاستثمار في النصوص الأدبية المغربية الغنية، وتحويل الروايات إلى مسلسلات وأفلام تعكس تنوع المجتمع وعمق هويته، كما تبرز الحاجة إلى تشجيع الإنتاجات المستقلة، وإعطاء مساحة للكتاب المحليين، وإشراك النقاد في تقييم الأعمال لضمان جودتها، وتغدو السياسات الثقافية الصارمة أداة ضرورية لحماية الشاشة الوطنية من الاختراق.

وتؤكد هذه المعطيات أن الدراما هي أداة لبناء أو هدم الوعي، وإذا فقدت رسالتها النبيلة، فإنها تتحول إلى خطر مباشر على الهوية، ويبقى الرهان الحقيقي هو استعادة الدراما المغربية لمسارها الأصيل، كي تعبر عن نبض الشعب وتمنح العالم صورة صادقة عن المغرب، بلداً أصيلاً في جذوره ومنفتحاً على محيطه برؤية متوازنة ومسؤولة، ويكفي أن الهواتف الذكية والذكاء الاصطناعي جعلوا الإنسان غبيا.