المبادرة المغربية للحكم الذاتي.. من دينامية التنمية إلى أفق الحل السياسي

ما يمنح المقترح المغربي للحكم الذاتي قوة متجددة هو اتساع دائرة المؤيدين له.

التقرير الأخير للأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، الذي أوصى بتمديد ولاية بعثة المينورسو لسنة إضافية، أعاد فتح النقاش حول جوهر قضية الصحراء المغربية، فرغم التفاصيل التقنية المتعلقة بقيود الحركة أو التحديات الأمنية، تظل الرسالة الأساسية واضحة: النزاع لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية، والحاجة باتت ملحّة إلى حلٍّ سياسي واقعي ومستدام.
هنا تبرز المبادرة المغربية للحكم الذاتي باعتبارها الإطار الأكثر جدّية ومصداقية لإخراج هذا الملف من دائرة الجمود.

بعثة أممية ومأزق سياسي

منذ أكثر من ثلاثة عقود، وُجدت المينورسو لتسهيل الوصول إلى حلٍّ متوافق عليه. غير أن السنوات الأخيرة أظهرت محدوديتها أمام عراقيل متكررة من طرف البوليساريو، سواء بتقييد تحركات البعثة أو برفضها التعاون في التحقيقات الميدانية. هذا الوضع لا يضعف فقط فعالية الأمم المتحدة، بل يثبت أن الرهان على مقاربة عسكرية أو على استمرار الوضع القائم لم يعد مجديًا.

دينامية مغربية على الأرض

في المقابل، يقدّم المغرب صورة مختلفة: مشاريع تنموية متواصلة في الأقاليم الجنوبية، وتحسين في الخدمات الأساسية من صحة وتعليم وبنية تحتية، إلى جانب ارتفاع عدد السكان بما يعكس جاذبية المنطقة واستقرارها. هذه الدينامية ليست مجرد أرقام، بل هي تعبير ملموس عن رؤية استراتيجية تربط الحل السياسي بالتنمية البشرية والاستثمار في الإنسان والمجال.

تأييد دولي متزايد

ما يمنح المقترح المغربي للحكم الذاتي قوة متجددة هو اتساع دائرة المؤيدين له. فقد أكدت الولايات المتحدة مجددًا دعمها للسيادة المغربية على الصحراء، فيما تواصل دول أوروبية وإفريقية وعربية فتح قنصليات في العيون والداخلة، في إشارة رمزية قوية إلى الاعتراف بشرعية الطرح المغربي. هذه الدينامية الدبلوماسية تعكس قناعة دولية بأن الواقعية تقتضي تجاوز الشعارات الجامدة والانخراط في حلٍّ عملي يضمن الاستقرار.

المأساة الإنسانية في تندوف

على النقيض، يكشف التقرير الأممي عن تدهور مقلق للأوضاع في مخيمات تندوف: سوء تغذية، فقر دم، وانعدام أفق للشباب والنساء. ورغم ذلك، يستمر رفض إجراء إحصاء شفاف، ما يفاقم الغموض القانوني والإنساني، ويجعل من اللاجئين ورقة تفاوضية بدل أن يكونوا موضوعًا لحلٍّ عادل ودائم.

أفق الحل: الواقعية بدل الشعارات

الرهان الحقيقي اليوم ليس على إطالة أمد النزاع، بل على استثمار هذه الدينامية المغربية المتزايدة لإطلاق عملية سياسية جديدة تحت رعاية الأمم المتحدة. فالمبادرة المغربية للحكم الذاتي ليست فقط مقترحًا تفاوضيًا، بل مشروع مجتمع يربط بين الديمقراطية المحلية والتنمية الاقتصادية واحترام الخصوصيات الثقافية لسكان الصحراء.

إن قضية الصحراء المغربية تدخل مرحلة جديدة؛ فالأمم المتحدة مدعوة إلى تجاوز رتابة التقارير والتمديدات التقنية، والمجتمع الدولي أمام خيار واضح: إما استمرار المأزق، أو دعم حلٍّ واقعي وممكن. والمبادرة المغربية للحكم الذاتي، التي تتسع دائرة الاعتراف بها يومًا بعد يوم، تفرض نفسها كجسر وحيد نحو مستقبل من الاستقرار والتنمية والاندماج الإقليمي.