الملك محمد السادس ورسالة الروح المتجددة: قراءة في دعوة إحياء خمسة عشر قرنا على ميلاد الرسول

يمكن قراءة الرسالة الملكية كمشروع وطني متكامل لإعادة تعريف علاقة المغاربة بدينهم

ليست الرسالة الملكية السامية الموجَّهة إلى المجلس العلمي الأعلى، بشأن إحياء ذكرى مرور خمسة عشر قرنًا على ميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم، مجرد دعوة دينية أو توجيه احتفالي عابر، بل هي في العمق إعلان عن رؤية استراتيجية متجددة لوظيفة الدين في الفضاء العمومي المغربي، واستدعاء صريح لدور العلماء في صياغة خطاب ديني معاصر يُحصِّن المجتمع من الانغلاق ويعيد ربط الأجيال بجوهر رسالة الإسلام: الحرية الأخلاقية والتحرر من الأنانية.

إمارة المؤمنين في قلب الرسالة

الملك، بصفته أميرًا للمؤمنين، أعاد التأكيد على أن إمارة المؤمنين ليست مجرد صفة دستورية، بل وظيفة وجودية تتجدد مع كل محطة مفصلية في تاريخ الأمة. فالرسالة لم تكتفِ بالدعوة إلى تنظيم أنشطة دينية، بل وضعت خريطة طريق كاملة تشمل المحاضرات، الندوات، التواصل الإعلامي، واستثمار الفضاءات العمومية والجامعية لتبليغ رسالة السيرة النبوية بروح تناسب العصر وتخاطب عقول الشباب.

ما بين دين التوحيد وقيم العصر

قدمت الرسالة الملكية تفسيرًا بليغًا لجوهر الدعوة المحمدية، حيث أبرزت أن أعظم ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم هو التوحيد الذي يحرر الإنسان من عبودية الذات والمادة، وهو ما يترجم في زمننا إلى بناء مجتمع متضامن متحرر من الأنانية والفردانية المفرطة. هذه القراءة العصرية تشكل محاولة جريئة لتجديد الخطاب الديني وتحريره من الجمود، وربطه بمقتضيات الحياة الحديثة.

المغرب نموذجًا حضاريًا

دعا الملك إلى تذكير العالم بخصوصية المغرب كبلد حمل مشعل العناية بالقرآن والسنة عبر العصور، وبنى مؤسسات للتزكية والتربية الروحية مثل طرق التصوف، وجعل من المديح النبوي والسماع تراثًا حيًا يعبر عن حب المغاربة لرسولهم الكريم. هذه الدعوة ليست فقط للاحتفاء بالماضي، بل لتقديم المغرب كنموذج حضاري قادر على المزاوجة بين الوفاء للأمانة النبوية والانخراط في دينامية العصر.

استحضار البعد الإفريقي والدولي

لم تغفل الرسالة المغاربة المقيمين بالخارج ولا الشركاء الأفارقة، في التأكيد على أن هذا الإحياء مناسبة لتقوية الروابط الروحية بين المغرب وعمقه الإفريقي، ولتصدير خطاب ديني معتدل ومتوازن إلى العالم. هذا البعد الاستراتيجي يعكس رؤية دبلوماسية روحية تجعل من المغرب منصة للإشعاع الفكري والديني على نطاق عالمي.

من الاحتفال إلى البناء الرمزي

ما يميز الرسالة الملكية هو أنها لم تحصر الإحياء في طقوس أو مهرجانات، بل حولته إلى مشروع تربوي، معرفي وإعلامي، يدعو إلى إصدار كتب محققة ونشرات علمية، وإحياء نصوص كلاسيكية مثل الشفا للقاضي عياض ودلائل الخيرات، بما يعيد وصل الأجيال الجديدة بجذور هويتها الدينية ويحصنها من الخطابات المتطرفة.

مشروع وطني متكامل

يمكن قراءة الرسالة الملكية كمشروع وطني متكامل لإعادة تعريف علاقة المغاربة بدينهم: دين يقوم على العلم والمعرفة، على المحبة لا على الخوف، وعلى التربية لا على التلقين. إنه مشروع يتطلب تضافر العلماء، والإعلام، والمؤسسات التربوية، والفاعلين الثقافيين من أجل صناعة وعي جماعي جديد يليق بالمغرب في القرن الحادي والعشرين.

وبهذه الرسالة، يضع الملك محمد السادس المملكة أمام مسؤولية تاريخية: تحويل ذكرى مرور خمسة عشر قرنًا على ميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم إلى لحظة تأمل جماعي وبناء فكري وروحي. هي دعوة إلى أن نكون أوفياء لجوهر الرسالة المحمدية، لا عبر ترديد الشعارات، بل عبر بناء مجتمع متماسك، أخلاقي، ومنفتح على العالم.