بارزاني يكسر جمود التسوية بنداء مباشر لمسار سلام كردي-تركي

الزعيم الكردي يوجه دعوته إلى مؤسس حزب العمال الكردستاني من جزيرة بوتان التركية، مما يضفي عليها بعداً رمزياً عميقاً.

أربيل – جدد الزعيم الكردي مسعود بارزاني اليوم السبت دعمه القوي لعملية السلام بين أنقرة وحزب العمال الكردستاني، موجها نداءً مباشراً لزعيمه المسجون، عبدالله أوجلان، بضرورة تقديم المزيد من الخطوات الإيجابية لتمهيد طريق التسوية النهائية للقضية الكردية.

جاء ذلك في كلمة ألقاها بارزاني، رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني، خلال المنتدى الدولي الرابع حول الشاعر الكردي ملا جزيري في مدينة جزيرة بوتان (جيزرة) ذات الأغلبية الكردية في تركيا، مما يضفي على دعوته بعداً رمزياً وثقافياً عميقاً.

وقال الزعيم الكردي "أود أن أشير إلى التحول الكبير الذي حدث في المنطقة، وهي عملية السلام في تركيا"، مضيفا "نحن سعداء جدا بالبدء في هذه العملية التي انطلقت بشكل منظم لأن الشعب والبرلمان والحكومة وجميع الأطراف والأحزاب السياسية في أنقرة يدعمونها"، مشددا على دعمه لمسار السلام من أجل إنجاحه، وفق وكالة "شفق نيوز".

جسر التواصل: استراتيجية بارزاني للسلام المستدام

ولطالما شدد بارزاني على قناعته الراسخة بأن الحرب ليست حلاً للقضية الكردية في أي جزء من "كردستان الكبرى"، داعياً إلى حلها بالوسائل السلمية والديمقراطية. ولا تنبع هذه المقاربة من حسن النية فحسب، بل هي جزء من إستراتيجية أوسع مدفوعة بالمصالح العليا لأربيل.

ويدرك الزعيم الكردي أن أي تصعيد في الصراع الكردي - التركي أو الكردي - السوري يهدد أمن واستقرار الإقليم نفسه، ويجعله عرضة للتدخلات العسكرية التركية أو الإيرانية. 

وتأتي دعوته لأوجلان لتقديم خطوات إيجابية في سياق تشجيع الطرف الكردي التركي على الانخراط بفعالية أكبر في عملية السلام. وتعكس هذه الدعوة، الموجهة لشخصية ذات تأثير هائل على الحركة الكردية، رغبة بارزاني في دفع العملية قدماً وتخفيف حدة التوترات الداخلية.

الدور المحوري: توحيد الصفوف وتشكيل مرجعية قومية

ويتجاوز دور بارزاني مجرد الوساطة بل يشكل مرجعية قومية للأكراد في المنطقة (تركيا، سوريا، إيران، العراق). فهو يلعب دوراً قيادياً جامعاً، داعيًا إلى توحيد الخطاب القومي والعمل على تحقيق التضامن بين الأحزاب والقوى الكردية المختلفة.

ويقود الزعيم الكردي جهوداً حثيثة لتقريب وجهات النظر بين الفصائل الكردية المتناحرة، خاصة بين الأطراف المقربة من حزب العمال الكردستاني والقوى الأخرى، كما هو الحال في شمال شرق سوريا (روج آفا)، بهدف تشكيل موقف كردي موحد تجاه الحكومات المركزية.

ويمثل مسعود بارزاني جسر تواصل استراتيجي بين أنقرة والحركة الكردية، مستخدماً نفوذه السياسي وعلاقاته المتينة مع القيادة التركية، للضغط باتجاه حل سلمي شامل للقضية، مما يعزز من مكانة الحزب الديمقراطي الكردستاني كقوة تفاوضية ومرجعية قومية لجميع الأكراد في المنطقة.

تحديات "الصراع المجمد" ومأزق نزع السلاح

وعلى الرغم من الدعم الكردي المتجدد، يواجه مسار السلام بين أنقرة وحزب العمال الكردستاني تحديات عميقة تجعله يوصف بـ"الصراع المجمد" أو "السلام الصوري" في كثير من الأحيان.

ولا تزال الثقة مفقودة بشكل كبير بين الطرفين بسبب انهيار العملية السابقة عام 2015 والصراع الدامي الذي تلاها وأسفر عن مقتل نحو 40 ألف شخص.

وفي مايو/أيار الماضي أعلن الحزب، الذي تصنفه تركيا "تنظيماً إرهابياً"، عن وقف إطلاق نار أحادي الجانب، وبدأ في سحب مقاتليه من داخل الأراضي التركية إلى شمال العراق كخطوة لإنهاء الكفاح المسلح. في المقابل، تصر تركيا على أن عملية السلام هي مجرد عملية لنزع السلاح، وترفض حتى الآن معالجة المطالب الكردية الجوهرية (السياسية، والثقافية، واللغوية)، مما يجعل التسوية تبدو ناقصة وغير مستدامة.

وباختصار تؤكد دعوة بارزاني من قلب الأراضي التركية على أن الحل الكردي لا يمكن أن ينجح دون ضمانات إقليمية ودعم من أربيل، لكن استدامة السلام تتطلب من أنقرة تجاوز شرط نزع السلاح غير المشروط والبدء في معالجة الجذور السياسية والاجتماعية للقضية.