بطاقة الناقد الفني: الاستقلال الثقافي والمعرفي خارج عباءة الصحافة
يُعتبر الناقد الفني أو السينمائي أو الثقافي أحد الأعمدة الأساسية في الحياة الثقافية لأي بلد، فهو يقوم بقراءته قراءة عميقة، ويمنحه بعداً معرفياً وجمالياً يعيد ترتيب مكانته في الوعي الجماعي. ورغم هذه الأهمية، لا يزال المجلس الوطني للصحافة وكذا نقابة الصحفيين تتعامل مع الناقد وكأنه صحفي، فتربط حصوله على الاعتراف المهني ببطاقة الصحافة، وكأن النقد تابع للإعلام وليس شريكاً في بناء المشهد الثقافي، بينما هذه النظرة القاصرة تُضعف مكانة النقد، وتُحوّل الناقد من صاحب سلطة فكرية إلى مُعلّق على هامش الحدث او مبلغ ما أريد الجهات تبليغه.
ويُظهر تحليل المهام أن بين الصحفي والناقد مسافة مهنية واضحة. فالصحفي يؤدي وظيفة إخباريةيجمع المعطيات وينقل الوقائع ويُطلع الجمهور على المستجدات، ويتعامل مع الزمن الآني ويشتغل على الحدث كما يقع. بينما الناقد، يحلل ويفكك ويعيد إنتاج المعنى، ويشتغل على الحدث من خارج لحظته، ويضعه في سياقاته الفكرية والفنية، ويُفكّر في رمزيته ودلالاته وموقعه من مسار الثقافة.
ويُمكن القول إن الصحفي يفتح الباب أمام الجمهور لمشاهدة الحدث، بينما الناقد يفتح أعينهم على ما وراءه. لذلك لا يمكن اختزال الناقد في وظيفة إعلامية آنية، وإنما النظر إليه كفاعل فكري وجمالي مستقل.
ويُشغل الصحفي مرتبة مهمة في منظومة الاتصال الثقافي، فهو يربط بين الحدث والجمهور ويمنح العمل الفني حضوراً إعلامياً. لكن الناقد يتجاوز هذه المرتبة، لأنه يتدخل بعد الصحفي لا قبله، ويمنح المعنى لما نُقل. فالصحفي يُعلن عن العرض المسرحي أو الفيلم أو المعرض الفني، أما الناقد فيُقيمه ويكشف مواطن القوة والضعف فيه، ويُقارب جمالياته وتقنياته.
وبهذا الترتيب يشكل الصحفي حلقة أولى في دائرة الاتصال، بينما يُمثل الناقد الحلقة العليا التي تصنع الفهم وتوجّه النقاش العام. ولا يمكن وضع هاتين المرتبتين في المستوى الإداري نفسه، لأن طبيعتهما المعرفية مختلفة جذرياً.
ويُنتج هذا الخلط بين الوظيفتين نوعاً من الضبابية القانونية والرمزية. فعندما يُطلب من الناقد أن يحصل على بطاقة الصحافة لمزاولة نشاطه، فإن ذلك ينزع عنه استقلاله الرمزي ويختزله في دور ليس دوره. وهذا الخلط ويُضعف الناقد، زيُضعف أيضاً المشهد الثقافي برمّته، لأنه يُقصي إحدى سلطاته الفكرية التي تُقيّم وتوجّه وتُسائل.
كما يؤدي هذا الوضع إلى تهميش النقاد الحقيقيين لصالح أشخاص لا يملكون أدوات التحليل النقدي، ويكتفون بتغطيات سطحية تفتقر الموضوعية، وهكذا يُصبح النقد تابعاً للإعلام، بينما الأصل أن يكون شريكاً مساوياً له، وهو اصلا أعلى مرتبة في الهرم المعرفي.
ويؤدي الناقد دوراً يُشبه دور المفكر أو الفيلسوف أو المؤرخ في مجاله؛ إكونن يؤسس لمعنى معين في الزمن والذاكرة الثقافية، ومن هنا تأتي مكانته الأعلى في سلم التراتب المعرفي، لأنه يشتغل على الأفكار والدلالات.
ففي حين يكتب الصحفي ماذا حدث؟ يكتب الناقد “لماذا حدث؟ وكيف يُفهم؟ وما قيمته؟. وهذه الفوارق تجعل من وظيفة النقد وظيفة عُليا في الثقافة، لا ينبغي أن تُربط بإطار مهني غير منسجم معها.
ويفرض هذا الواقع على وزارة الثقافة والمركز السينمائي المغربي أن يبادرا إلى إنشاء بطاقة مهنية مستقلة خاصة بالنقاد، تُمنح وفق معايير دقيقة تراعي مسار الشخص، وخبرته، وإسهاماته المكتوبة أو البحثية. ويجب أن لا تكون هذه البطاقة امتيازاً شكلياً، إنما اعترافاً بموقعه الفكري داخل المشهد الفني.
كما ينبغي تحديد صلاحيات واضحة تُمكّن الناقد من ولوج المهرجانات، ومواكبة العروض، والمشاركة في النقاشات والندوات بصفته سلطة فكرية وليس مُرسل صحفي .
ويتوجب على صناع القرار أن يعيدوا الاعتبار للمكانة العليا للنقد في الحياة الثقافية، وأن يضعوا حداً للخلط بينه وبين الصحافة. فالنقد ليس تابعاً للإعلام، لانه شريكاً يوجّهه ويُعيد صياغة أثره. ومنح بطاقة مستقلة للناقد هو ترسيخ لعدالة ثقافية تعترف بدور الفكر إلى جانب الإعلام.