بين روحي مايكل جاكسون وزها حديد.. ليلة يحتفي فيها المغرب بالفن الخالد
في حضن الرباط الدافئ، يلتقي إرث ملك البوب الذي عبر الأجيال مع معمارية زها حديد التي هزمت الزمن، في احتفاء مغربي بالفن الخالد الذي يبقى حاضراً حتى بعد رحيل أصحابه.
في التاسع والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول المقبل، سيكون المسرح الملكي بالرباط على موعد مع واحدة من أبرز الفعاليات الفنية الدولية المنتظرة، من خلال عرض استعراضي عالمي يحتفي بالمسيرة الفنية الخالدة لأسطورة الموسيقى العالمية مايكل جاكسون، الفنان الذي تحولت أعماله إلى إرث إنساني يتجاوز حدود الزمن والجغرافيا.
فبعد سنوات طويلة على رحيله، لا يزال 'ملك البوب' حاضراً بقوة في ذاكرة الأجيال المتعاقبة، وكأن الزمن توقف عند إيقاع أغانيه وحركة عروضه المبهرة. لقد أثبتت تجربته أن الفن النابع من الشغف الصادق والعمل الدؤوب لا تهزمه الشائعات ولا يطويه الموت، بل يتحول إلى ذاكرة جماعية تستمر في إلهام الملايين حول العالم.
وتحمل قصة مايكل جاكسون دلالة أعمق تتعلق بالعلاقة المعقدة بين الفنان وإبداعه؛ فالكثير من المبدعين دفعوا أثماناً باهظة من صحتهم وحياتهم في سبيل الوصول إلى مستويات استثنائية من العطاء الفني. وبين من أفنوا أعمارهم خدمة للفن ومن أرهقتهم متطلبات الشهرة العالمية، يبقى الإبداع الحقيقي هو العنصر الوحيد القادر على البقاء بعد غياب أصحابه.
وسيمنح العرض المرتقب الجمهور المغربي فرصة نادرة لاستعادة أجواء الحفلات التاريخية التي صنعت أسطورة مايكل جاكسون. ولن يقتصر الأمر على أداء أشهر أغانيه، بل سيقدم تجربة فنية متكاملة تمزج بين الموسيقى الحية والعروض الراقصة والمؤثرات البصرية والصوتية الحديثة، في محاولة لإعادة إنتاج روح العروض التي أحدثت ثورة في صناعة الترفيه العالمية.
ومن المنتظر أن تتعاقب على خشبة المسرح لوحات استعراضية مستوحاة من أشهر أعمال الفنان الراحل، مع تصميمات أزياء تحاكي إطلالاته الأيقونية التي رسخت في ذاكرة عشاقه، إلى جانب تقنيات إضاءة وشاشات عرض متطورة تمنح الجمهور إحساساً قريباً من الأجواء التي كانت تملأ أكبر المسارح والقاعات العالمية خلال ذروة مسيرته الفنية.
كما ستستعيد الأمسية مجموعة من الأغاني الخالدة التي شكلت محطات بارزة في مسيرة مايكل جاكسون، من بينها “Billie Jean” و”Thriller” و”Beat It” و”Smooth Criminal”، وهي أعمال لم تفقد بريقها رغم مرور عقود على إطلاقها، ولا تزال تحقق حضوراً استثنائياً لدى أجيال لم تعاصر الفنان نفسه.
وتتراوح أسعار التذاكر بين 500 و1500 درهم حسب الفئات والخدمات المخصصة للجمهور، وسط توقعات بإقبال واسع من عشاق الموسيقى العالمية ومحبي العروض الاستعراضية الكبرى، في حدث ينتظر أن يشكل محطة فنية بارزة ضمن أجندة الموسم الثقافي بالمملكة.
ويأتي احتضان المغرب لهذه التظاهرة الفنية العالمية ليعكس عمق ارتباطه بالفنون بمختلف أشكالها وتعبيراتها، فالمملكة كانت على الدوام أرضا لتلاقي الثقافات ومنصة للحوار بين الحضارات، حيث تلتقي الموسيقى والمسرح والسينما والفنون البصرية في مشهد إبداعي متنوع يعكس ثراء الهوية المغربية وانفتاحها على العالم.
وتزداد رمزية هذا الحدث لكونه يقام داخل المسرح الملكي بالرباط، أحد أبرز الصروح الثقافية الحديثة بالمملكة، فهذا المعلم المعماري، الذي يحمل بصمة المعمارية العالمية العراقية الراحلة زها حديد، لا يمثل مجرد فضاء للعروض، بل عملاً فنياً متكاملاً تتناغم فيه الخطوط الانسيابية والمساحات المفتوحة والإيقاعات البصرية التي تجعل من المكان نفسه جزءاً من التجربة الفنية.
وتمنح معمارية المسرح إحساساً بأن العرض يبدأ قبل رفع الستار، حيث تتحول تفاصيل المبنى إلى مقدمة جمالية تمهد لما سيجري فوق الخشبة، فالتفاعل بين الفن المعماري والعروض الفنية يخلق حالة من الانسجام تجعل كل فعالية تقام داخله أقرب إلى لوحة فنية متكاملة، تتحد فيها روعة المكان مع إبداع الأداء.
وفي هذا السياق، يبدو عرض مايكل جاكسون المرتقب منسجماً مع روح المكان؛ فالعروض الاستعراضية التي اشتهر بها الفنان الراحل قامت على المزج بين الموسيقى والحركة والضوء والفضاء المسرحي، وهي العناصر ذاتها التي يمنحها المسرح الملكي بعداً جمالياً إضافياً. وهكذا، يصبح اللقاء بين إرث 'ملك البوب' ومعمارية زها حديد لقاءً بين شكلين من أشكال الفن الخالد؛ أحدهما صنعه الإيقاع والحركة، والآخر رسمته الهندسة والخيال.
وفي ختام هذه الأمسية، لا يمكن فصل هذا الحضور الثقافي المتنامي عن الرؤية الملكية التي جعلت من الثقافة والفنون رافعة أساسية للتنمية الإنسانية والحضارية بالمغرب، فمن خلال العناية المستمرة بالمؤسسات الثقافية، وتشجيع الفنانين والمبدعين، وإطلاق المشاريع الكبرى التي تحتضن الإبداع المحلي والعالمي، تواصل المملكة ترسيخ مكانتها كفضاء للحوار الثقافي والفني ووجهة عالمية للإبداع.
كما تمثل هذه الدينامية امتداداً طبيعياً للتاريخ الحضاري العريق للمغرب، وللإرث الأمازيغي الغني الذي شكل على مر القرون أحد أهم روافد الهوية الثقافية الوطنية، بما يحمله من تنوع في الموسيقى والرقص والشعر والحكاية والفنون البصرية والحرف التقليدية. وبين إرث الأجداد وإبداعات الحاضر، يواصل المغرب كتابة فصول جديدة.