تحوّل روسي لافت: حين تنتصر الواقعية المغربية في نزاع الصحراء

التحوّل في الوقف الروسي باتجاه دعم مغربية الصحراء ليس وليد صدفة، بل ثمرة نجاح المغرب في ترسيخ منطق الواقعية السياسية والشرعية التنموية.

لم يكن تصريح وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، القاضي باستعداد بلاده للترحيب بمخطط الحكم الذاتي الذي قدّمه المغرب كحل لتسوية النزاع حول الصحراء، مجرّد موقف دبلوماسي عابر، بل تعبيراً عن تحوّل عميق في الإدراك الدولي لطبيعة هذا الملف.
فللمرة الأولى، تُقرّ موسكو، وهي من أكثر العواصم تشدّداً في الدفاع عن منطق “تقرير المصير” التقليدي، بأنّ المبادرة المغربية تمثّل شكلاً ناضجاً من أشكال هذا الحق في صيغته الحديثة القائمة على الحكم الذاتي في إطار السيادة الوطنية.
هذا التحوّل ليس وليد صدفة، بل ثمرة نجاح المغرب في ترسيخ منطق الواقعية السياسية والشرعية التنموية، بعد أن استطاع أن ينقل الملف من دائرة الجمود العقائدي إلى فضاء الحلول العملية القابلة للتنفيذ، والمتوافقة مع روح ميثاق الأمم المتحدة.

الواقعية المغربية تنتصر على الجمود الإيديولوجي
منذ تقديمه لمخطط الحكم الذاتي سنة 2007، اشتغل المغرب على بناء سردية جديدة للنزاع، قائمة على قاعدتين أساسيتين:
أولاً، أن الاستفتاء لم يعد ممكناً، لا قانونياً ولا عملياً، بعد تغيّر البنية الديموغرافية والسياسية للمنطقة.
وثانياً، أن الحكم الذاتي ليس تنازلاً، بل تجسيدٌ متقدّم لمفهوم تقرير المصير عبر التمكين السياسي والاقتصادي والثقافي لساكنة الأقاليم الجنوبية.
اليوم، حين يقول لافروف إن “الواقع تغيّر”، فهو يعبّر، بوضوح، عن تحوّل في الإدراك الدولي نحو منطق المغرب الواقعي، الذي انتقل بالنقاش من أسطورة الاستفتاء إلى مشروع التعايش والسيادة المشتركة في ظل الوحدة الوطنية.

الرباط تُقنع العواصم الكبرى بنجاعة نموذجها
لقد باتت المبادرة المغربية للحكم الذاتي تحظى بدعم متزايد من القوى المؤثرة في المجتمع الدولي، وعلى رأسها الولايات المتحدة وفرنسا وإسبانيا وألمانيا.
واليوم، حين تُبدي روسيا استعدادها للنظر بإيجابية في هذا الخيار، فإنّ الأمر يعكس نجاح الدبلوماسية المغربية في اختراق الدوائر الصلبة للقرار الدولي، وإقناعها بواقعية المشروع المغربي وعدالته.
فموسكو تدرك أنّ المغرب لم ينخرط في منطق الاستقطاب الحاد، لا في الحرب الأوكرانية ولا في صراعات الشرق والغرب، بل حافظ على استقلالية قراره الخارجي، ونسج علاقاته على أساس الندية والتوازن.
كما أن التزام الرباط بمبدأ “الصين الواحدة” منحها مصداقية إضافية في نظر القوى الرافضة للنزعات الانفصالية.
بهذه المقاربة، يقدّم المغرب نموذجاً نادراً في السياسة الخارجية العربية: دولة تجمع بين الوفاء لمبادئها والسياسة الواقعية التي تبني جسور الثقة مع جميع الأطراف دون تنازل عن ثوابتها الوطنية.

براغماتية تحترم منطق القوة الهادئة
من منظور جيواستراتيجي، يعكس التصريح الروسي اعترافاً ضمنياً بالمكانة المتنامية للمغرب كقوة استقرار في شمال إفريقيا والساحل.
فالرباط، بما تمتلكه من موقع جغرافي فريد بين المتوسط وإفريقيا، وبما أنجزته من استثمارات ضخمة في أقاليمها الجنوبية، استطاعت أن تُثبت للعالم أنّ مشروع الحكم الذاتي ليس مجرد فكرة سياسية، بل رؤية تنموية متكاملة ترسّخ الاستقرار، وتُحارب التطرّف، وتفتح آفاق الاندماج الاقتصادي الإقليمي.
إنّ موسكو، التي تراقب بدقة تحولات المنطقة، تدرك أنّ دعم مبادرة من هذا النوع لا يخدم فقط المغرب، بل يساهم في بناء توازن جديد في إفريقيا، يحدّ من تمدد الفوضى، ويعزز الأمن الطاقي والغذائي في فضاء حيوي تتقاطع فيه مصالح الشرق والغرب.

المغرب يفرض سرديته في مجلس الأمن
تكتسب تصريحات لافروف أهمية خاصة لأنها تأتي عشية جلسة مجلس الأمن المخصصة لقضية الصحراء.
وهي، في جوهرها، إشارة إلى أنّ موسكو بدأت تتفاعل إيجابياً مع التحول الذي بات يطبع قرارات المجلس، حيث أصبحت تقارير الأمين العام للأمم المتحدة ومبعوثه الشخصي تُكرّس مقاربة “الواقعية والتوافق”، وهي ذات المفردات التي تعبّر عن روح المبادرة المغربية.
إنّ تزايد الأصوات داخل مجلس الأمن التي تنادي باعتبار الحكم الذاتي أساساً واقعياً للتسوية، يترجم في العمق انتصار المنهج المغربي في إدارة النزاع، بعد أن تحوّل من ملف مؤجل إلى ورقة تُقرأ في سياق الدينامية العالمية الجديدة، القائمة على حلول توافقية تحفظ السيادة وتضمن التنمية.

من الاعتراف الضمني إلى الشراكة السياسية
ما يميز الموقف الروسي ليس لغته فحسب، بل توقيته وسياقه أيضاً، فهو يأتي في مرحلة تتقدم فيها العلاقات المغربية-الروسية على المستويات الاقتصادية والثقافية والسياحية، ما يفتح الباب أمام تطوّر طبيعي نحو تفاهمات سياسية أعمق.
وفي حال تحوّل هذا الانفتاح إلى دعم صريح في مجلس الأمن، فإنّ ذلك سيعني تحوّلاً استراتيجياً في ميزان المواقف الدولية حول الصحراء المغربية، لصالح منطق الوحدة والاستقرار الذي يمثله المغرب.

المغرب يكتب مسار الحل بيده
لقد نجح المغرب، بصمته وواقعيته، في إعادة صياغة النقاش الدولي حول الصحراء، من جدل “الاستقلال” إلى مشروع “الاندماج”، ومن منطق “الانقسام” إلى منطق “التنمية والسيادة المشتركة”.
والموقف الروسي الأخير ليس سوى أحد تجليات الاعتراف الدولي المتنامي بنضج الرؤية المغربية، التي جمعت بين الشرعية التاريخية والنجاعة المؤسساتية.
إنّ العالم اليوم، بما فيه القوى الكبرى، بدأ يُدرك أن الحكم الذاتي المغربي ليس حلاً محلياً، بل نموذجاً دولياً لتسوية النزاعات المزمنة في إطار من الواقعية، والاحترام المتبادل، والسيادة الوطنية.
وفي زمن التغيّر العالمي، يثبت المغرب مرة أخرى أنه صوت العقل والاتزان في محيط مضطرب، وأن مشروعه في الصحراء ليس فقط دفاعاً عن وحدة التراب، بل مساهمة فكرية وسياسية في هندسة مفهوم جديد للسلام الإقليمي.