تركيا تمدد حضورها العسكري بلبييا في مواجهة التنافس الدولي

استمرار المطالبات الدولية بخروج جميع القوات الأجنبية والمرتزقة من ليبيا يضع أنقرة في موقف دبلوماسي حرج، تحاول الالتفاف عليه بتوصيف وجودها كدعم تدريبي وتقني بناءً على طلب رسمي.

أنقرة/طرابلس - يعكس قرار البرلمان التركي بالموافقة على تمديد مهمة القوات المسلحة في ليبيا لمدة عامين إضافيين مساعي أنقرة لتعزيز نفوذها في البلد الواقع في شمال إفريقيا، ما يؤكد أن الدور التركي في ليبيا ليس عابراً أو مرتبطاً بظروف مؤقتة، بل هو جزء من رؤية بعيدة المدى لتأمين المصالح القومية التركية في حوض البحر الأبيض المتوسط. 

وكشف التصويت داخل البرلمان التركي عن "توافق وطني" واسع، حيث أيدت الأحزاب الخمسة الرئيسية القرار رغم اختلافاتها الجوهرية مع الحكومة في ملفات أخرى. ويشير هذا الإجماع إلى تجاوز الخلافات الحزبية، بالنظر إلى أن الوجود العسكري في ليبيا يشكل قضية "أمن قومي" عليا تتجاوز الصراعات السياسية الداخلية، بالإضافة إلى الرغبة في الحفاظ على المكتسبات التي حققها الجيش التركي ومنع أي تراجع قد يُفسر على أنه ضعف استراتيجي.

وترتبط ليبيا بتركيا عبر اتفاقية ترسيم الحدود البحرية الموقعة عام 2019. ويضمن تمديد الوجود العسكري بقاء حكومة في طرابلس تدعم هذه الاتفاقية، مما يمنح تركيا حقوقاً قانونية وميدانية في التنقيب عن الغاز والنفط شرق المتوسط، ويقطع الطريق على التحالفات المنافسة (اليونان، قبرص، مصر).
وتُعد العلاقة بين رئيس حكومة الوحدة الوطنية في ليبيا، عبدالحميد الدبيبة، وتركيا من أكثر الملفات إثارة للجدل في المشهد السياسي الليبي. حيث يواجه الدبيبة اتهامات مستمرة من قبل خصومه السياسيين وبعض القوى الإقليمية بتغليب المصالح التركية على السيادة الوطنية.

وفي مايو/أيار الماضي تداولت تقارير إعلامية اتهامات، لم يتم تأكيدها رسمياً من جهات قضائية ليبية، بشأن تحويل مبالغ ضخمة من النقد الأجنبي إلى تركيا، وهو ما اعتبره خصوم الدبيبة محاولة لتأمين "ملاذ مالي" في ظل الأزمات الداخلية.

وتعتبر ليبيا سوقاً واعدة للشركات التركية، بينما يوفر الحضور العسكري غطاءً أمنياً للاستثمارات في قطاعات الطاقة، البنية التحتية والمقاولات، ويضمن لتركيا حصة الأسد في مشاريع إعادة إعمار ليبيا.

ويمثل النفوذ في البلد الواقع في شمال إفريقيا "بوابة ذهبية" لتركيا نحو العمق الأفريقي، سواء على المستوى التجاري أو الأمني، مما يعزز دور أنقرة كلاعب إقليمي لا يمكن تجاوزه في قضايا الهجرة، مكافحة الإرهاب والتوازنات القارية.

وتحولت ليبيا إلى "رقعة شطرنج" دولية، وتدرك أنقرة أن انسحابها يعني ملء الفراغ من قبل قوى منافسة (مثل روسيا أو فرنسا). لذا، يهدف التمديد إلى فرض التوازن في مواجهة الوجود العسكري الروسي في الشرق الليبي وضمان عدم انفراد موسكو بالقرار العسكري.

ويمنح امتلاك قوات على الأرض أنقرة مقعداً دائماً في أي مفاوضات دولية حول مستقبل ليبيا، ويجعلها طرفاً لا يمكن استبعاده من الحل السياسي.

ورغم التمديد، تواجه السياسة التركية تحديات جسيمة، من بينها احتمال تجدد الصراع بين الشرق والغرب الليبي، ما من شأنه أن يضع القوات التركية في مواجهة مباشرة مع قوى محلية أو إقليمية.

كما يضع استمرار المطالبات الدولية بخروج جميع القوات الأجنبية والمرتزقة من ليبيا أنقرة في موقف دبلوماسي حرج، تحاول الالتفاف عليه بتوصيف وجودها كـ"دعم تدريبي وتقني" بناءً على طلب رسمي.

ويمكن القول إن تمديد التفويض العسكري حتى عام 2027 هو بمثابة "إعلان استدامة" للنفوذ التركي، حيث تنظر أنقرة إلى ليبيا كركيزة أساسية في مشروع "الوطن الأزرق" وطموحاتها كقوة متوسطية مهيمنة. وفي ظل التنافس الدولي المحموم، تراهن تركيا على أن وجودها العسكري هو الضمانة الوحيدة لحماية استثماراتها السياسية والاقتصادية من الضياع.