تغير العالم حين غيرت الشمس عاداتها

الشمس صارت تشرق من الغرب فقط لأنه الموقع الجغرافي للولايات المتحدة. العالم يعيش على ايقاع نيويورك.

حلم الشعراء والفنانون في كل العصور بتغيير الحياة عن طريق الجمال. سبقهم في ذلك الفلاسفة حين فكروا بإقامة المدن الفاضلة من أجل تغيير العالم.

ولكن العالم كان يتغير من غير أن يأخذ بنظر الاعتبار ما حلم به الشعراء والفنانون ولا ما فكر فيه الفلاسفة.

وإذا ما كانت المدن الفاضلة لم تشهد النور بسبب أن إقامتها تحتاج إلى جزر، صارت الشركات تستعملها لأغراض سياحية فإن ما لم يمر بأذهان الشعراء والفنانين أن يتحول الإنسان إلى كائن استهلاكي.

سيكون فاجعا بالنسبة للفنانين أن توضع أعمالهم على لوائح الاستهلاك العالمي من خلال المزادات التي تعبر عن رغبة في الاحتواء عن طريق المال مضادة لروح التمرد التي انطوت عليها تلك الأعمال.

يتغير العالم من خلال الارتفاع الجنوني في أسعار اللوحات. ليس ذلك ما حلم به فنان متمرد من نوع الاسباني فرانشيسكو غويا.

كان ماركس محقا في فكرته عن تغيير العالم عن طريق الاقتصاد.

لقد شهد القرن العشرين تطبيقا عمليا لتلك النظرية. فحين وقعت حربان عالميتان مدمرتان كان الواقع الاقتصادي هو المؤثر في عالم ما بعدهما. لقد استسلمت البشرية لمفردات ثقافة القوة الاقتصادية التي انبعثت من ركام الحربين فصارت منهاتن نموذجا للمدينة الفاضلة المضادة التي تسخر من جمهورية افلاطون التي انطوت على صفحاتها في كتاب عتيق.

منذ نهاية أربعينات القرن الماضي صار على البشرية أن تتلقى صدمات التغيير من مكان قصي لم يكن في الإمكان اعتباره قلب العالم. لذلك ظلت عقدة القارة العجوز تتحكم بالعقل الأميركي.

وبعد أن انتهت الحرب الباردة بانتصار أميركي ساحق صار العالم كله بشكل مباشر أو غير مباشر خاضعا للبوصلة الأميركية التي تتحرك بخفة ما بين ما يأكله الناس العاديون وما يرتدونه من ملابس وبين طرز المدن التي يبنونها ويقيمون فيها. كان التغيير حافلا بالتحديات التي تواجه المكان بقوة الزمن الذي صار يعمل بطريقة معكوسة. فالشمس بعكس عادتها صارت تشرق من الغرب حيث المختبر الأميركي.

لقد استولت الولايات المتحدة على الطرق الواسعة كلها. ما تبقى من الطرق فهي أشبه بالطرق الريفية التي ظلت دول القارة العجوز ملتزمة في العمل فيها من غير أن تحلم بتوسيعها. كان الاقتصاد هو الأساس في تلك المعادلة الظالمة.

وإذا ما كان الصينيون قد حلموا بتغيير تلك المعادلة فقد فاتهم أنهم قد اجتهدوا في إطار النسق الاستهلاكي الغربي الذي تمثل الولايات المتحدة ركيزته. لقد خدم الصينيون ثقافة الاستهلاك بالرغم من التزامهم بالعقيدة الشيوعية.

مَن أتيحت له فرصة العيش بين الأزمنة لابد أن يدرك أن هناك تغييرا هائلا في أساليب العيش قد شهدته البشرية عبر الخمسين سنة الماضية. يسر ذلك التغيير أمورا أساسية كثيرة غير أنه في الوقت نفسه عطل القدرة على الحلم.

لقد حلت التقنيات محل الذاكرة. هناك من لا يشعر بالحاجة إلى ان يحفظ عن ظهر قلب رقم هاتف زوجته أو موعد رحلته أو جدول الضرب أو رقم سيارته بعد أن ارتبطت الخصوصية بعدد لا حصر له من الارقام المشفرة.

الهواتف الذكية حلت المشكلة وهي في حد ذاتها مشكلة. ذلك لأن فقدانها الذي يمكن أن يقع في اية لحظة يمكن أن يعطل علاقة المرء بنفسه ويجعله يقف عاريا من غير أن يتمكن من صنع اسلحته الدفاعية بنفسه.

لقد تغير العالم من حولنا بهدوء وبطء غير أن نظرة إلى ماضينا الشخصي لابد أن تملأنا بالإحباط. لقد تغيرنا إلى الدرجة التي لم نعد فيها نشبه أنفسنا.