تقرير فرنسي: الميليشيات تُحول ليبيا إلى حقل تجارب للدولة الفاشلة
طرابلس - رسم تقرير فرنسي صورة قاتمة لواقع ليبي لم يعد فيه الصراع مجرد خلاف على كراسي السلطة، بل تحول إلى إعادة تعريف لشكل الدولة، حيث تلاشت الحدود بين المؤسسة العسكرية والميليشيات المسلحة، وبين الحكومة والعصابة، لا سيما في الغرب الذي تديره حكومة الوحدة الوطنية المنتهية ولايتها بقيادة عبدالحميد الدبيبة.
وأشارت صحيفة "لوكوريي انترناسيونال" الفرنسية إلى أن "العاصمة طرابلس تشهد حالة من الفوضى المنظمة، حيث تبدو كفسيفساء ممزقة من الأراضي التي تسيطر عليها مجموعات مسلحة متنافسة".
وتابعت أن "السلطات في الغرب لم تعد تمارس سيادة حقيقية، بل أصبحت هي نفسها أشبه بميليشيا تشتري بقاءها بالمال"، مضيفة أن "كل فصيل مسلح يسعى لترسيخ شرعيته من خلال السيطرة الميدانية، مما جعل المصالح الضيقة للجماعات تعلو فوق مفهوم "الدولة".
وكشفت أن المنشآت الحيوية ومصافي النفط تحولت إلى مراكز قوة يديرها قادة المجموعات المسلحة، وهي سلطة يصفها التقرير بأنها "أقوى من الحكومة الفعلية".
وبحسب المصدر نفسه فقد انتقل مركز الثقل في الصراع من القوة العسكرية إلى "سلطة التعطيل"، مضيفا أن النفط الليبي تحول إلى "رهينة" بيد القوى المسلحة. ويشير التقرير إلى دور دولي يساهم في ترسيخ سطوة الميليشيات بدلاً من تقويضها، من ذلك عقد صفقات مع المجموعات المسلحة للحد من تدفق المهاجرين، لافتا إلى دولا أوروبية، من بينها إيطاليا، منحت هذه الجماعات نفوذاً خارج حدودها واعترافاً ضمنياً كقوى أمر واقع.
وأوضح أن تركيا وروسيا ومصر تراقب الساحة الليبية، ليس لإنهاء الفوضى، بل لضمان حصصها في دولة الموارد، مما يعزز الانقسام ويجعل من الميليشيات "وكلاء" لهذه القوى.
وخلص التقرير إلى حقيقة مفادها أن ليبيا اليوم ليست مجرد دولة في أزمة، بل هي "حقل تجارب لإعادة تعريف الدولة المنهارة"، مضيفا أن الفوضى لم تعد مرحلة انتقالية، بل أصبحت "عقلية جديدة" ونظاماً مستداماً.
ولفت إلى أن الانتخابات ينظر إليها كـ"وسيلة لتأجيل المواجهة"، مع يقين كافة الأطراف بأن السلاح سيكون له القول الفصل بعد أي تصويت. وبينما تنخرط الميليشيات في "منطقها البارد" لإدارة النفوذ، يدفع الليبيون الثمن في طوابير البنزين وارتفاع أسعار الخبز، وسط انهيار كامل لسيادة القانون.
ويرى التقرير أن "الأمم المتحدة فقدت دورها كوسيط وأصبحت مجرد عنصر ثانوي في المعادلة"، واصفا مبعوثيها بأنهم "عاجزون"، مضيفا أن المنظمة الدولية "تبدو مصممة على تكرار السيناريو نفسه، وإن كان في سياق مختلف تمامًا، فالوساطة ليست سوى إجراء بيروقراطي شكلي".
وباختصار يمكن القول إن ليبيا عالقة في "جرح يرفض الالتئام"، حيث يسعى معسكر السلاح والقبائل إلى تأبيد الوضع الراهن، لتتحول البلاد من دولة مؤسسات إلى ساحة تحكمها "عصابات معترف بها" دولياً ومحلياً.