توثيق سياسي بكرونولوجية سينمائية في 'بابا والقذافي'

هل يشارك فيلم المخرجة جيهان الكيخيا في المسابقة الرسمية للمهرجان الدولي للفيلم بمراكش بسبب قوته الفنية التوتيقية أم لبنائه الاديولوجي القائم على الاختطاف والقتل السياسي؟

عرضت المخرجة جيهان الكيخيا فيلمها الوثائقي الطويل "بابا والقذافي" ضمن المسابقة الرسمية في الدورة الـ22 من المهرجان الدولي للفيلم بمراكش، مسجلة حضور السينما الليبية بعد غياب طويل، إذ يتناول الفيلم اختفاء والدها منصور الكيخيا في القاهرة عام 1993، مستعرضًا رحلة البحث عن الحقيقة عبر ذاكرة شخصية مرتبطة بالسياق السياسي الليبي، كمزيجًا متقنًا من التوثيق التاريخي والسرد الشخصي.

استعرض الفيلم الوتائقي السينمائي وقائع اختفاء منصور الكيخيا، مركزا على الغموض المحيط بالحدث، وتأثيره العميق على الأسرة، ليحوّل الغياب إلى نقطة انطلاق لسرد وثائقي يوازن بين الألم الشخصي والبحث التاريخي، ويفصح عن مادة معرفية تجمع بين التوثيق والتحليل السياسي.

ونسجت المخرجة خيوط السرد بين الحياة الشخصية للأب ودوره في المعارضة الليبية، موثقة التفاعلات الاجتماعية والسياسية التي خاضها، لتعيد بناء صورة شخصية متكاملة، وتبرز العلاقة بين الغياب الفردي والتداعيات العامة، بما يتوافق مع أساليب التحليل النقدي للسينما الوثائقية المعاصرة.

ووظف الفيلم المقابلات العائلية والحوارات المسجلة مع أصدقاء الأب، إلى جانب مشاهد طفولية للمخرجة، لتكوين صورة شاملة عن شخصية منصور الكيخيا، مستفيدًا من الأرشيف البصري لتعميق الفهم النفسي والاجتماعي للأسرة، وتقديم مادة تحليلية تجمع بين البعد الذاتي والبعد العام للأحداث.

وضمّ الفيلم مشاهد تاريخية نادرة تكشف مسار ليبيا من الملكية السنوسية إلى عهد القذافي، ودمج الزمن الحاضر مع الماضي بطبقات سردية متباينة، ليتيح للمشاهد فهم السياق السياسي والاجتماعي، ويعبر عن منهجية تحليلية دقيقة لمفهوم الذاكرة السياسية والشخصية في الوثائقيات.

وركّز الفيلم على استعادة ذاكرة الطفلة جيهان تجاه والدها الغائب، من خلال المزج بين الصوت والصورة، والاستفادة من الأرشيف العائلي الغني، ليستحضر الغياب بصريًا، وعمّق العلاقة بين تجربة الفرد والذاكرة الجماعية، وهو أسلوب ينسجم مع المعايير الأكاديمية لدراسة السينما الوثائقية وتحليلها.

وكشف الفيلم مراحل حياة منصور الكيخيا، من نشأته في بنغازي ودراسته في القاهرة والسوربون، إلى تقلده مناصب دولية وانضمامه للمعارضة، مستعرضًا صورًا أرشيفية تجمعه بالقذافي قبل الانشقاق، ليوفّر مادة ثرية لتحليل الشخصية والعلاقات السياسية، ويبرز قدرة الوثائقي على المزج بين التوثيق التاريخي والسرد النقدي.

وروى الفيلم شهادة زوجته بهاء العمري، موضحًا تفاصيل مكالمتها مع عبد الله السنوسي قبل سفر الأب، لتسليط الضوء على البعد الإنساني للأحداث، وتحويل رحلة البحث إلى تحقيق استقصائي،  ليعبر احترافية المخرجة في الجمع بين الشهادات الشخصية والتحليل.

واستثمر الفيلم أرشيف الأسرة الزمني والبصري، محوّلًا الغياب إلى حضور بصري مؤثر، مع التركيز على ثنائية الزمن والذاكرة، واستعراض رحلة الأسرة بين فرنسا والولايات المتحدة، ليبرز التوازن بين السرد الشخصي والتأمل التاريخي، ويمنح الفيلم قيمة نقدية أكاديمية عالية في دراسة التوثيق السينمائي.

وبرز الفيلم الصراع بين الكيخيا والقذافي بصريًا وسرديًا، مستخدمًا لقطات أرشيفية غير معتادة تكشف استعلاء وطغيان القذافي، وتحليل الانتهاكات في تلك الحقبة، ليصبح العمل وثيقة نقدية  للعلاقة بين السلطة والمجتمع، وتقدم مادة أكاديمية لدراسة التفاعل بين السياسة والفن في السينما الوثائقية.

وأنجز الفيلم رحلة إنتاج استمرت عشر سنوات، حينما دمج المواد البصرية المتنوعة بأسلوب سردي متوازن، واستحضار ذكريات مؤلمة عبر المونتاج بحساسية عالية، ليظهر الفيلم وثيقة بصرية شاعرية، تقدم قراءة نقدية دقيقة للعلاقة بين الذاكرة والتاريخ، والبحث المستمر عن الحقيقة، وفق منهجية أكاديمية رصينة تجمع بين التحليل الفني والتاريخي.

لكن هل جاء اختيار الفيلم للمسابقة الرسمية بسبب قيمته الفنية، أم لأهمية موضوعه السياسي؟