جماعة 'نصرة الإسلام والمسلمين' تخنق باماكو بحصار يُؤزم الأوضاع
باماكو - تشهد العاصمة المالية باماكو وعدة مدن كبرى أزمة خانقة في إمدادات الطاقة والعديد من المواد الحيوية، وذلك بسبب الحصار المُحكَم الذي تفرضه جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" المرتبطة بتنظيم القاعدة. وتزداد الأوضاع قتامة مع امتداد الأزمة لتطال الأرياف، مما أدى إلى شلل شبه تام في أغلب الخدمات.
وتعتمد الجماعة المتطرفة في إستراتيجيتها الجديدة على تطويق المراكز الحضرية وإقامة "دولة موازية" تدريجياً، بدلاً من الاقتصار على حرب العصابات في الأرياف. ويتمثل هذا التكتيك في فرض حصار لوجستي على الطرق الرئيسية التي تربط العاصمة بدول الجوار الساحلية التي تعتبر المصادر الرئيسية لواردات الوقود والمواد الغذائية.
وتشن "نصرة الإسلام والمسلمين" منذ فترة هجمات منظمة تستهدف شاحنات الإمدادات الغذاء القادمة من السنغال وساحل العاج وموريتانيا وغينيا. ونتيجة لذلك، أصبحت محطات الوقود في باماكو فارغة أو تبيع بأسعار باهظة في السوق السوداء. وشهدت العاصمة شللاً شبه تام في شبكة الكهرباء والنقل العام.
واضطرت المدارس إلى الإغلاق، ودخل النشاط الاقتصادي في حالة ركود عميق. واضطرت السلطات للجوء إلى تشغيل حافلات "تضامنية" محدودة في محاولة يائسة للتخفيف من حدة الأزمة.
أما في الأرياف والمناطق التي تسيطر عليها الجماعة، فيسعى المتطرفون إلى كسب ود السكان عبر الالتزام بعدم التعرض لهم وتوفير الأمن مقابل فرض قوانين صارمة، تشمل التشدد في ملابس النساء وتحريم الموسيقى. وفي المقابل، يُعاقب السكان في القرى التي يُعتقد أنها تدعم الحكومة بأسلوب الحصار والتجويع.
وتُظهر هذه التطورات مدى ضعف الاستراتيجية الأمنية الحالية لحكومة مالي في مواجهة هذا التهديد المتنامي، على الرغم من تحولها عسكرياً وسياسياً نحو شركاء جدد مثل روسيا، بعد إنهاء التحالف مع فرنسا، القوة الاستعمارية السابقة.
ويمثل الحصار اختباراً سياسياً وأمنياً للمجلس العسكري الحاكم في باماكو، الذي عجز بشكل واضح عن احتواء تقدم الجماعة المتطرفة. وقد أدى هذا الإخفاق إلى إرباك القيادة التي سارعت إلى إقالة العديد من المسؤولين العسكريين والأمنيين في الآونة الأخيرة، في محاولة لامتصاص الغضب الشعبي المتصاعد.
ويشير محللون إلى أن الجماعة تتبع إستراتيجية "الخنق البطيء" بدلاً من الهجوم المباشر على العاصمة، على أمل أن تنهار باماكو تدريجياً تحت ضغط الأزمة الاقتصادية والإنسانية، بهدف السيطرة الكاملة على الحكم مستلهمة تجارب سابقة مماثلة مثل تجربة طالبان.
وفي جوهرها، تتجاوز أزمة الوقود والإمدادات في مالي الطابع الاقتصادي لتتحول إلى أداة حرب فعالة لإعادة تشكيل الواقع السياسي والأمني، في وقت يهدد فيه هذا الوضع بتقويض استقرار الدولة بالكامل، مع تصاعد المخاوف من انهيار باماكو وانتشار الإرهاب إلى دول غرب أفريقيا المجاورة.
ووجهت الجماعة بيانات تطالب فيها بإقامة "حكومة شرعية" في مالي، ووصفت الوجود الروسي بأنه "احتلال وغزو"، مما يضع المجلس العسكري في موقف حرج ويزيد الضغط الشعبي عليه.