حلوى الصائمين تتحدى الحرب في غزة

وسط دمار واسع وشحّ في الوقود والمواد الأساسية، يواصل صانعو القطايف إشعال مواقد الحطب بين الركام، متمسكين بطقس رمضاني متجذّر يؤكد تشبث الغزيين بالحياة رغم قسوة الحرب وتداعياتها الإنسانية.

غزة - خلّفت الحرب الإسرائيلية دمارًا طال نحو 90 في المئة من البنية التحتية في قطاع غزة، غير أنّ الفلسطينيين، وهم يرممون ما تبقى من تفاصيل حياتهم، يستعدون لاستقبال شهر رمضان بإحياء طقس عريق وهو إعداد حلوى "القطايف" على مواقد بدائية توقد بالحطب.

في غزة، لا يُقاس اقتراب الشهر الكريم بعدد الأيام المتبقية له، بل بعبق القطايف الذي يعود ليتسلل إلى الأسواق، معلنًا حضور رمضان رغم الخراب. رائحة السكر والعجين تختلط برائحة الرماد، فتغدو الحلوى فعل مقاومة يومي، وإصرارًا على استمرار الحياة.

في "سوق كراج رفح" بمدينة خان يونس جنوبي القطاع، الذي كان قبل الحرب يعج بالمتسوقين، يحاول أصحاب المحال إعادة نبض الحركة إلى المكان. وبين الركام، عاد صانعو القطايف إلى إشعال مواقد الحطب، بعدما أعياهم شح الوقود والغاز.

وعلى مقربة من مناطق لا تزال تحتلها إسرائيل شرقي المدينة، يواصل التجار أعمالهم في ظروف بالغة القسوة. يرممون متاجرهم بوسائل بدائية؛ يستعيضون بالطين عن الأسمنت، وبالحطب عن الغاز، حفاظًا على تقليد رمضاني متوارث، يأبى أن ينطفئ.

في الأثناء، يعيش مئات آلاف النازحين أوضاعًا إنسانية قاسية بعد أن دُمّرت منازلهم وأُجبروا على النزوح. يقيمون في خيام تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، في ظل تدهور حاد في الخدمات الأساسية. ولا يزال الجيش الإسرائيلي يسيطر على أكثر من 50 في المئة من مساحة القطاع، تشمل الشريطين الجنوبي والشرقي وأجزاء واسعة من الشمال.

تقليد رمضاني متجذّر

بخبرة تمتد لأكثر من عشرين عامًا، يواصل سليم البيوك (54 عامًا)، المعروف في السوق بلقب "ملك القطايف"، إعداد هذه الحلوى يدويًا، متحديًا شح الإمكانات وندرة المواد الأساسية. بدأ البيوك عمله في مدينة رفح، قبل أن ينتقل إلى خان يونس بعد احتلال إسرائيل للمدينة، مؤكدًا تمسكه بمهنته رغم الصعوبات.

وتُعدّ القطايف سيدة المائدة الرمضانية لدى الفلسطينيين، لسهولة إعدادها وانخفاض تكلفتها نسبيًا. وهي فطائر صغيرة تُحشى بالمكسرات أو الجبن أو التمر، ثم تُخبز وتُغمس في القطر المصنوع من السكر، لتتحول إلى رمز للبهجة في ليالي الصوم.

يوضح البيوك للأناضول أن عمله في رمضان يعتمد عادة على غاز الطهي، إذ يحتاج يوميًا إلى نحو 25 كيلوغرامًا منه، غير أن محدودية الإمدادات دفعته للاعتماد على الحطب. فمنذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، تسمح إسرائيل بدخول كميات محدودة من غاز الطهي، في حين يحتاج القطاع إلى نحو 20 شاحنة يوميًا، وفق مسؤولين محليين.

حلوى
إشعال مواقد الأمل

ورغم ارتفاع تكاليف التشغيل وشح المواد، يصر الفلسطينيون على البقاء ورفض التهجير، متمسكين بإحياء طقوس رمضان. خفّض البيوك سعر الكيلوغرام إلى 10 شواقل (نحو 3 دولارات)، ويوفر عملًا موسميًا لما بين 10 و15 عاملًا، رغم تضرر محله واعتماده على ترميم بدائي.

ولا يقتصر الأمر عليه؛ فمئات الفلسطينيين في مختلف مناطق القطاع يواصلون هذه المهنة الموسمية بين الخيام والأزقة الضيقة والمخيمات المكتظة. ينصبون مواقد بدائية ويشعلون الحطب تعويضًا عن الغاز، في محاولة للحفاظ على طقس اعتادوه، رغم الحصار والدمار.

طبق أساسي لا يغيب

يقول سعيد خلف (38 عامًا) إن الشارع الذي يقع فيه السوق كان قبل الحرب مكتظًا إلى حد يصعب معه السير، من شدة الازدحام. ويؤكد أن القطايف تبقى طبقًا أساسيًا على مائدة كل أسرة في رمضان، معربًا عن أمله في عودة النازحين واستعادة الحياة الطبيعية، وتنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار بصورة فعلية.

وعلى الرغم من أن الحرب أعادت تشكيل تفاصيل الحياة في غزة وقلبت يومياتها رأسًا على عقب، فإن شهر رمضان يظل مساحة لاستعادة الدفء الجماعي ولمّ شتات الروح. فالقطايف ليست مجرد صنف من الحلوى يُعدّ في هذا الموسم، بل رمز للصمود اليومي، وإعلان صريح بأن الفلسطينيين يتشبثون بالحياة ويتمسكون بأملهم، مهما اشتدت المحن.