حين تتحول الصحراء المغربية إلى مختبر إفريقي للنموذج التنموي الجديد

منذ أن أطلق الملك محمد السادس النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية، بدا واضحاً أن الأمر لا يتعلق بمبادرة ظرفية أو بمخطط من الجيل القديم، بل برؤية شمولية تؤسس لمرحلة جديدة من التماسك الترابي والاندماج الإفريقي.

ليست التصريحات التي أدلى بها وزير التجهيز والماء نزار بركة في العيون مجرد عرض تقني لحصيلة أوراش ممتدة على عقد من الزمن، إنها في جوهرها إعادةُ تأكيدٍ على أن الأقاليم الجنوبية لم تعد مجرد مجالٍ جغرافي داخل التراب الوطني، بل أصبحت مختبراً متقدماً لنموذج مغربي في التنمية يمكن أن يشكّل مرجعاً قارياً في زمن التحولات العميقة داخل إفريقيا.

منذ أن أطلق الملك محمد السادس النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية، بدا واضحاً أن الأمر لا يتعلق بمبادرة ظرفية أو بمخطط من الجيل القديم، بل برؤية شمولية تؤسس لمرحلة جديدة من التماسك الترابي والاندماج الإفريقي. واليوم، بعد عشر سنوات من العمل المتواصل، تترسخ هذه القناعة أكثر: نحن أمام مشروع دولة، لا مجرد برنامج حكومي.

بين الرؤية الملكية ونتائج الميدان

يشير بركة إلى أن النموذج نجح في خلق دينامية مستدامة: رؤية ترابية منسجمة، مشاركة محلية فاعلة، حكامة استباقية، واندماج قطاعي يربط الماء بالنقل، والطاقة بالاقتصاد، والمجال الاجتماعي بالاستثمار. والأهم من كل ذلك أن المنهجية مبنية على مؤشرات قابلة للقياس، ما يعكس انتقال المغرب من منطق النوايا إلى منطق النتائج: نمو اقتصادي، تحسين مستوى العيش، تقليص الفوارق، وخلق فرص جديدة للساكنة.

هذا الخطاب ليس مجرد سرد لإنجازات، بل هو تذكير بأن التنمية في الصحراء أصبحت تُقاس اليوم بالأثر الملموس على الأرض، لا بالشعارات.

البنية التحتية كعمود فقري للاندماج الإفريقي

يشدد الوزير أيضاً على أن الأوراش الكبرى—من الطرق السريعة إلى الموانئ، ومن المنشآت الاقتصادية إلى تجهيزات الربط الطرقي واللوجستي—تحولت إلى رافعات استراتيجية تعيد رسم الخريطة الترابية للمغرب. فهذه المشاريع ليست فقط من أجل ربط الشمال بالجنوب، بل من أجل فتح بوابة دائمة نحو إفريقيا، بوابة اقتصادية وجيوسياسية في انسجام تام مع توجهات السياسة الخارجية للمملكة.

إنها مشاريع تنسجم مع رؤية المغرب لإفريقيا: شراكة بين ندّين، لا علاقةً بين مانحٍ وممنوح.

ماء، طاقة، ومناخ: قواعد جديدة للأمن الاستراتيجي

وفي حديثه عن المشاريع المائية والبيئية، يسلط بركة الضوء على بُعد آخر للنموذج: الأمن المائي كشرط وجودي للتنمية. تحلية المياه بالطاقة المتجددة، تنويع الموارد، بناء السدود، حماية المدن من الفيضانات، والاستعداد لمخاطر المناخ… كلها توجهات تجعل الأقاليم الجنوبية اليوم أحد أكثر المجالات المغربية تقدّماً في مقاربة الاستدامة.

إنها رؤية تربط الدبلوماسية بالمجال، والتنمية بالمناخ، والجغرافيا بالاقتصاد.

صعود جنوبٍ مغربيٍّ بِنَفَسٍ إفريقي

ما يقدمه المسؤول الحكومي ليس مجرد تقييـم مرحلي، بل قراءة سياسية واستراتيجية لما أصبحت عليه الأقاليم الجنوبية: مجال يتحول بسرعة إلى قطب نمو، ونموذج ترابي يُحتذى، وجسر يربط المغرب بعمقه الإفريقي.

إنه إعلان غير مباشر بأن الاستثمار في الصحراء ليس فقط خياراً وطنياً، بل رهاناً قارياً على مستقبل مشترك تتقاطع فيه التنمية مع الاستقرار، والاقتصاد مع الجغرافيا السياسية.

الصحراء المغربية، اليوم، ليست فقط قضية وطنية… بل بوابة مغربية نحو إفريقيا الغد.