حين تُصادر العقيدة ذاكرة الجنوب اللبناني: هل يتعلّم الأبناء الكراهية أكثر ممّا ينبغي

الجماعات التي تفشل في الاعتراف بالتحولات الواقعية تدخل غالبًا في ما يمكن تسميته 'إنكار الهزيمة'، حيث تصبح الشعارات بديلًا عن الوقائع، والعقيدة بديلًا عن النقد، والتعبئة النفسية بديلًا عن المحاسبة.

في مكانٍ ما من الذاكرة اللبنانية التي جرى دفنها تحت ركام الشعارات، كان رجلٌ جنوبيٌّ عجوز يجلس ذات يوم قرب بوابة منزله في بلدة الخيام، يتحدث ببساطةٍ لا تشبه لغة البيانات الحزبية ولا خطابات "الممانعة" المتلفزة. كان يقول إنّه، خلال سنوات "الجدار الطيّب"، عرف الإسرائيليين عن قربٍ أكثر ممّا عرفهم الذين يصرخون اليوم باسم "الحروب المقدّسة" عن بُعد... عرفهم في أروقة المستشفيات، وفي تقاليد التجارة، وفي الخوف المشترك من الموت، وفي تفاصيل الحياة اليومية التي لا تشبه الكتب العقائدية الرائجة في هذه الأيام.
ذلك الرجل لم يكن "عميلًا". ولم يكن "خائنًا". كان فقط إنسانًا ينتمي إلى بلدةٍ جنوبية لبنانية يريد أن يعيش. لكنّ المشكلة الكبرى التي أصابت لبنان لاحقًا لم تكن في أنّ بعض أهالي الجنوب عرفوا إسرائيل يومًا من زاوية التجربة الإنسانية المباشرة، بل في أنّ أبناءهم وُلدوا داخل زمنٍ آخر: زمن التعبئة العقائدية المغلقة، حيث أُعيد تصنيع الذاكرة الجماعية بما يتناسب مع احتياجات الحرب الدائمة.
بوابة السلام الأميركية
اليوم، بينما تستعد واشنطن لاستضافة الجولة الرابعة من المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية المباشرة، برعايةٍ أميركية، تبدو المنطقة وكأنّها تقف عند مفترقٍ بالغ الحساسية بين زمنين: زمن "إدارة الصراع" الذي حكم الشرق الأوسط لعقود، وزمن آخر تحاول فيه الولايات المتحدة، ومعها الدولة اللبنانية، اختبار احتمال الانتقال نحو مقاربة مختلفة عنوانها: الاستقرار والسيادة والسلام.
لكنّ هذا الانتقال لا يصطدم فقط بالتعقيدات العسكرية والسياسية، بل أيضًا بإرثٍ ثقافي كامل بُني على فكرة أنّ الحرب ليست حدثًا طارئًا، بل هوية دائمة، خلافًا لما دأب ابن الخيام، السبعيني من العُمر، على التحدّث بشأنه.
الكثير من أبناء الجنوب اللبناني عرفوا، في مراحل معينة، أشكالًا من التداخل الإنساني والاقتصادي والمعيشي مع الطرف الإسرائيلي، سواء عبر "الجدار الطيب" أو عبر فرص العمل والعلاج والتنقّل. لم يكن الأمر يومًا بهذه الثنائية الحادّة التي تُقدَّم اليوم للأجيال الجديدة: إمّا الكراهية المطلقة أو الخيانة المطلقة.
لكن ما حدث لاحقًا أنّ "ثقافة الجيرة" جرى استبدالها تدريجيًا بـ"ثقافة التعبئة"، ثم بـ"ثقافة القداسة العقائدية"، بحيث أصبحت الذاكرة نفسها خاضعة لإعادة تصنيع سياسي وأيديولوجي مستمر.
من هنا تحديدًا يمكن فهم الأبعاد الأعمق للعقوبات الأميركية الأخيرة التي طالت نوابًا من حزب الله. فواشنطن لم تعد تتعامل مع الحزب بوصفه مجرد تنظيمٍ مسلح خارج سلطة الدولة، بما يتناسق مع المفاهيم الحالية للدولة اللبنانية نفسها، بل كمنظومة سياسية – أمنية – ثقافية متكاملة، ساهمت طوال عقود في تحويل لبنان من دولةٍ تبحث عن الاستقرار إلى ساحةٍ مفتوحة لحروب الآخرين.
جبهات إسناد "الوهم العقائدي"
الإدارة الأميركية الحالية، وخصوصًا منذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، لا تبدو مهتمة بإدارة التوازن التقليدي مع حزب الله، كما فعلت إدارات سابقة، بقدر ما تبدو معنية بإعادة صياغة البيئة التي سمحت له أصلًا بالتمدد داخل البنية اللبنانية سياسيًا ونفسيًا وثقافيًا.
ولهذا، لم تعد المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية تُقرأ، في واشنطن، باعتبارها مجرد ترتيبات أمنية على الحدود الجنوبية، بل باعتبارها جزءًا من معركة أوسع تتعلق بمستقبل لبنان نفسه: هل يبقى "صندوق بريد" إقليميًا؟ أم يعود دولةً طبيعية تحتكر قرار الحرب والسلم؟
هنا تحديدًا تبدأ العقدة الحقيقية. فحزب الله لا يخوض معركته الأساسية اليوم على الحدود فقط، بل داخل الذاكرة الجماعية للبيئة التي نشأ فيها. ولذلك يبدو الاعتراف بالخسارة مستحيلًا، حتى بعدما تغيّرت الوقائع العسكرية والسياسية بصورة جذرية منذ "طوفان الأقصى" في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.
فالجنوب اللبناني الذي دخل الحرب تحت شعار "الإسناد" خرج منها مدمّرًا إلى حدٍّ بعيد. وقيادات الصف الأول والثاني والثالث في الحزب سقطت تباعًا، من حسن نصرالله إلى هاشم صفي الدين وصولًا إلى عشرات القادة الميدانيين. والاختراقات الأمنية الإسرائيلية وصلت إلى مستويات غير مسبوقة، من "تفجيرات البيجر" الشهيرة إلى الاغتيالات الدقيقة داخل الضاحية الجنوبية والبقاع.
ومع ذلك، لا تزال اللغة العقائدية نفسها تُستخدم كما لو أن شيئًا لم يتغيّر.
الرقص على حافة... الكارثة
في العلوم العسكرية والسياسية، لا تتحول الهزيمة إلى كارثة تاريخية بسبب الخسائر الميدانية وحدها، بل بسبب العجز عن مراجعة أسبابها. فالجماعات التي تفشل في الاعتراف بالتحولات الواقعية تدخل غالبًا في ما يمكن تسميته "إنكار الهزيمة"، حيث تصبح الشعارات بديلًا عن الوقائع، والعقيدة بديلًا عن النقد، والتعبئة النفسية بديلًا عن المحاسبة.
وهذا بالضبط ما أصاب أجزاء واسعة من "محور الممانعة" منذ السابع من أكتوبر: من غزة إلى لبنان، ومن العراق إلى اليمن. ففي غزة، لم يُنتج "طوفان الأقصى" سوى تدمير القطاع على رؤوس المدنيين، واغتيال غالبية القيادات العسكرية والسياسية لـ"حماس". وفي لبنان، تحوّلت القرى الجنوبية إلى مناطق منكوبة، بينما يعيش مئات الآلاف من اللبنانيين بين النزوح والفقر والخوف. وفي اليمن والعراق، استُهلكت شعارات "وحدة الساحات" في حروبٍ مفتوحة لم تغيّر موازين القوى بقدر ما عمّقت الانهيارات الداخلية... وهنا تحديدًا، بدأت المنطقة تدخل مرحلة التعايش مع الكارثة بدل محاولة الخروج منها.
بريد الوعي الإنساني
لكن الأخطر من كل ذلك أنّ الأجيال الجديدة لم ترث "ذاكرة الناس"، بل ورثت "ذاكرة التعبئة". لم ترث حكايات الأمهات اللواتي كنّ يبحثن عن الأمان لأولادهن. لم ترث خوف الفلاحين على مواسم التبغ والزيتون. لم ترث تفاصيل الحياة الطبيعية التي عرفها الجنوب اللبناني يومًا، ولو وسط التناقضات والحروب. بل ورثت قاموسًا كاملًا من الكراهية المطلقة، حيث يصبح السلام خيانة، والتفاوض سقوطًا، والاعتراف بالوقائع هزيمة أخلاقية لا سياسية فقط.
وهنا تبدو المفاوضات الجارية في واشنطن، رغم هشاشتها، أشبه بمحاولة متأخرة لإعادة فتح بابٍ أُغلق طويلًا داخل الوعي اللبناني نفسه. فالحديث لم يعد يقتصر على ترسيم حدود أو تثبيت هدنة. بل بات يتعلّق بإعادة تعريف معنى الجنوب: هل يبقى ساحة حربٍ دائمة؟ أم يعود مساحةً طبيعية للحياة؟
وهل يستطيع لبنان، أخيرًا، أن يتحرّر من إرث الوطن الذي تحوّل طويلًا إلى "صندوق بريدٍ" لحروب الآخرين ليعود إلى فكرة "الوطن – الرسالة" التي تحدّث عنها اللبنانيون طويلًا قبل أن تبتلعهم حروب الآخرين؟
الوقائع الميدانية... وخيانات الذاكرة
قد لا تكون الإجابة سهلة. وقد تحتاج المنطقة إلى سنوات طويلة للخروج من الأنقاض النفسية والعقائدية التي خلّفتها عقود الصراع. لكن الحقيقة التي بدأت تفرض نفسها بهدوءٍ هي أنّ الشعوب التي تعبت من الحروب لا تبحث دائمًا عن انتصارات كبرى... بل عن فرصة عادية للحياة.
وربما لهذا السبب تحديدًا، تبدو المأساة اللبنانية اليوم أعمق من مجرد نزاع حدودي أو صراع إقليمي. إنها مأساة ذاكرة: ذاكرةٌ وجدانيةٌ جرى اقتلاعها تدريجيًا من الناس، واستبدالها بذاكرة عقائدية مغلقة لا تسمح حتى بطرح الأسئلة.
ولهذا، ربما تكمن المأساة الحقيقية في التوصيف التالي أكثر من أي شعارٍ آخر: "المشكلة لم تكن يومًا في أنّ أهل الجنوب عرفوا إسرائيل أكثر ممّا ينبغي، بل في أنّ أبناءهم تعلّموا الكراهية أكثر ممّا ينبغي".
وفي كل الأحوال، فإنّ ما تقدَّم ليس مجرد رأيٍ سياسي عابر، بل محاولة لإعادة فتح نقاش ظلّ محرّمًا لعقود: هل يمكن لشعوب المنطقة أن تبني مستقبلها على فكرة الحياة الطبيعية والسلام والمصلحة الوطنية، بدل البقاء داخل دوائر الحرب المفتوحة إلى ما لا نهاية؟