سياسة الشجاعة الأميركية: كيف أعاد ترامب تعريف القوة بين الدبلوماسية والنار
منذ نهاية الحرب الباردة، تعاقبت على الولايات المتحدة إداراتٌ كثيرة اختلفت في الأسلوب وتباينت في الخطاب، لكنها بقيت، في الشرق الأوسط تحديدًا، أسيرة معضلة مزمنة: كيف يمكن إدارة النفوذ الأميركي من دون الانزلاق إلى حروبٍ شاملة، ومن دون الظهور بمظهر القوة المتراجعة في الوقت نفسه؟
هذا السؤال عاد بقوة إلى الواجهة بعد المحاضرة "النارية" التي ألقتها مورغان أورتاغوس في منتدى الشرق الأوسط، والتي بدت أقرب إلى إعلانٍ أيديولوجي متكامل عن النمط الجديد الذي تتبناه إدارة الرئيس دونالد ترامب في مقاربة السياسة الخارجية، خصوصًا تجاه إيران وحلفائها في المنطقة.
فالكلمة لم تكن مجرد دفاع سياسي عن سياسات ترامب، بل محاولة لصياغة فلسفة أميركية جديدة تقوم على فكرتين أساسيتين: أولًا: أن "ثقافة الخوف" التي حكمت الإدارات الأميركية السابقة هي التي سمحت لإيران ومحاورها بالتوسع. وثانيًا: أن استعادة الردع لا تتم عبر التفاوض وحده، بل عبر الجمع بين الدبلوماسية والقوة العسكرية الصلبة بلا تردد.
من ثقافة الخوف إلى سياسة الشجاعة
في خطابها، حاولت أورتاغوس رسم خط فاصل حاد بين إدارة ترامب والإدارات الأميركية السابقة، الجمهورية منها والديمقراطية على السواء. بحسب الرواية التي قدمتها، فإن الولايات المتحدة وقعت طوال عقود في فخ "الخوف من التصعيد": بعد أزمة الرهائن في إيران، وبعد تفجير مقر المارينز في بيروت، وخلال الحرب العراقية، وحتى في طريقة التعاطي مع المشروع النووي الإيراني.
وترى أورتاغوس أن الإدارات السابقة كانت تميل إلى شراء الاستقرار المؤقت عبر المساومات والتأجيل والاسترضاء، ما سمح، وفق توصيفها، لإيران بتوسيع نفوذها الإقليمي والاقتراب من العتبة النووية.
أما إدارة ترامب، فتعتبر نفسها قد اختارت "الطريق الآخر": طريق الشجاعة"، كما وصفته أورتاغوس مرارًا. وهنا تكمن النقلة الأهم في الذهنية السياسية الأميركية الراهنة: لم تعد واشنطن تتحدث فقط عن الردع بوصفه أداة دفاعية، بل عن استخدام القوة لإعادة هندسة التوازنات الإقليمية نفسها.
الدبلوماسية بالنار
اللافت في خطاب أورتاغوس أنها لم تفصل بين الدبلوماسية والعمل العسكري، بل قدمتهما باعتبارهما وجهين لاستراتيجية واحدة، فالإدارة الأميركية الحالية لا تبدو مؤمنة بالنمط التقليدي الذي حكم جزءًا كبيرًا من السياسة الخارجية الأميركية بعد حرب العراق، أي: التفاوض أولًا، وتجنب المواجهة المباشرة، وإدارة الأزمات بدل حسمها.
بل على العكس، يبدو أن فلسفة ترامب تقوم على فرض وقائع ميدانية قاسية أولًا، ثم الانتقال إلى التفاوض من موقع القوة. ولهذا، استعرضت أورتاغوس سلسلة طويلة من الاغتيالات والضربات العسكرية: قادة حماس، قيادات حزب الله، مسؤولون إيرانيون كبار، وتراجع قدرات الحوثيين العسكرية. الرسالة الأساسية هنا واضحة: الدبلوماسية الأميركية الجديدة لا تأتي بدل القوة، بل فوق أنقاض استخدامها المكثف.
اغتيال الخصوم بوصفه خطابًا سياسيًا
ربما كان الجزء الأكثر إثارة في خطاب أورتاغوس هو الطريقة التي تحدثت بها عن اغتيال الخصوم. فحين كررت كلمة "ميت" في وصف قادة حماس وحزب الله وإيران، لم تكن تتحدث فقط عن نتائج عمليات عسكرية، بل كانت تبني سردية سياسية كاملة: أن الردع الأميركي – الإسرائيلي الجديد يقوم على تحويل القيادات المعادية إلى أهداف مفتوحة.
هذا الأسلوب يعكس تحولًا مهمًا في العقل السياسي الأميركي: من سياسة الاحتواء إلى سياسة الاستنزاف المباشر للبنى القيادية وهو ما يفسر أيضًا حجم القلق داخل الأوساط الديمقراطية الأميركية من اتساع صلاحيات ترامب العسكرية، خصوصًا بعد إرجاء الكونغرس التصويت على مشروع قرار كان يهدف إلى تقييد قدرته على تنفيذ عمليات عسكرية ضد إيران.
فالانقسام داخل المؤسسة الأميركية لم يعد فقط حول إيران نفسها، بل حول سؤال أعمق: هل يملك الرئيس الأميركي حق إعادة تشكيل الشرق الأوسط بالقوة العسكرية من دون قيود تشريعية صارمة؟
الكونغرس بين الخوف من الحرب والخوف من الضعف
قرار الجمهوريين تأجيل التصويت داخل الكونغرس لم يكن تفصيلًا إجرائيًا بسيطًا، بل مؤشرًا على طبيعة التحول الجاري في واشنطن. فداخل المؤسسة الأميركية اليوم تياران واضحان: تيار يرى أن استخدام القوة الحاسمة هو ما أعاد الردع الأميركي، وتيار يخشى أن يؤدي هذا النهج إلى جرّ الولايات المتحدة نحو "حرب دائمة" في الشرق الأوسط.
لكن اللافت أن المزاج السياسي العام داخل الحزب الجمهوري بات يميل أكثر فأكثر نحو دعم الرئاسة في استخدام القوة، خصوصًا بعد اقتناع شريحة واسعة من المحافظين بأن سياسات التهدئة السابقة سمحت لإيران ومحاورها بالتوسع. ولهذا، تبدو إدارة ترامب وكأنها تعيد إحياء مفهوم "الرئاسة الإمبراطورية"، حيث يمتلك البيت الأبيض هامشًا أوسع للتحرك العسكري الخارجي، حتى لو اصطدم ذلك بتحفظات داخل الكونغرس نفسه.
لبنان من منصة صواريخ إلى طاولة تفاوض
في قلب هذا التحول، يحتل لبنان موقعًا رمزيًا بالغ الأهمية، فأورتاغوس تحدثت بوضوح عن أن لبنان، الذي كان قبل سنوات "منصة لإطلاق الصواريخ"، بات اليوم يشهد أول اجتماعات دبلوماسية علنية مع إسرائيل منذ أكثر من ثلاثة عقود.
وهذه الإشارة تكشف جوهر المقاربة الأميركية الجديدة: إضعاف القوى المسلحة المرتبطة بإيران، ثم دفع الدول نحو إعادة التموضع داخل منظومة إقليمية مختلفة. ومن هنا، يبدو الإصرار الأميركي على دعم مسار التفاوض اللبناني – الإسرائيلي جزءًا من مشروع أوسع لإعادة صياغة الشرق الأوسط، لا مجرد محاولة موضعية لخفض التوتر الحدودي.
هل تنجح "سياسة الشجاعة"؟
لكن السؤال الأكثر تعقيدًا يبقى: هل يمكن فعلًا بناء استقرار دائم عبر مزيج من الاغتيالات والضغوط العسكرية والتفاوض؟
أنصار ترامب يرون أن الوقائع تتحدث عن نفسها: إيران أضعف، حلفاؤها يتراجعون، والحدود اللبنانية – الإسرائيلية دخلت للمرة الأولى منذ عقود مسار تفاوض مباشر. أما خصومه، فيحذرون من أن القوة العسكرية، مهما بلغت فعاليتها، لا تستطيع وحدها إنتاج سلام مستدام، وأن الشرق الأوسط الذي يُدار عبر منطق "الحرب الوقائية" قد يبقى أسير دوامة العنف نفسها وإن تبدلت موازين القوى.
وفي النهاية، لا تبدو محاضرة مورغان أورتاغوس مجرد دفاع عن إدارة ترامب، بل إعلانًا عن مدرسة سياسية أميركية جديدة: مدرسة ترى أن التردد أخطر من التصعيد، وأن القوة هي اللغة الوحيدة القادرة على إعادة تشكيل المنطقة.
وهنا تحديدًا تكمن خطورة اللحظة الراهنة. فالشرق الأوسط يقف اليوم بين نموذجين أميركيين متناقضين: نموذجٍ قديم حاول إدارة الأزمات عبر الاحتواء والمساومة، ونموذجٍ جديد يحاول فرض الوقائع بالنار قبل التفاوض. وبين النموذجين، تتشكل الآن خرائط جديدة للنفوذ والحروب والسلام... وربما أيضًا لمفهوم القوة الأميركية نفسه في القرن الحادي والعشرين.