دريس شويكة يصور الواقع القروي المغربي من زاوية نسوية في 'طحالب مرة'

المخرج يحكي في فيلمه المشارك في المسابقة الرسمية للمهرجان الدولي لفيلم المرأة بسلا، قصة امرأة تواجه الهيمنة الذكورية في قرية ساحلية، مركزا على العمق الرمزي للبحر والطحالب كاستعارة لهشاشة المجتمع.

شارك الفيلم المغربي"'طحالب مرة" للمخرج القدير ادريس شويكة في المسابقة الرسمية للمهرجان الدولي لفيلم المرأة بسلا في دورته الثامنة عشرة، إذ عُرض مساء 24 سبتمبر/ايلول 2025 بقاعة هوليوود بحي كريمة بسلا، ضمن برمجة الدورة التي تكرم الإبداع السينمائي النسائي وتحتفي بقضايا المرأة من خلال عدسة الفن السابع.

وتتمحور القصة حول شخصية "هنية"، التي تؤدي دورها الممثلة يسرى بوحموش، وهي شابة تحلم بالهجرة لكنها تجد نفسها عالقة في قريتها بعد اختفاء زوجها "مصطفى" الغواص في ظروف غامضة، وبينما تتشبث حماتها بأمل عودته، تدخل "هنية" في نزاع حاد مع شقيقه "المعطي" الذي يستحوذ على الميراث ويمنع ابنة أخيه من متابعة دراستها، ليفرض عليها عزلة قاسية تزيد من معاناة الأسرة.

الفليم من تأليف شوقي حمداني، ويشارك في بطولته يسرى بوحموش، ماجد لكرون، صفاء خاتمي، خديجة عدلي، محمد بوصبع.

ويكشف الفيلم عن عالم مهمش من خلال قصة تدور أحداثها في قرية ساحلية مغربية تعيش على صيد الأسماك وجمع الطحالب البحرية، إذ يضع الشريط المشاهد أمام واقع اجتماعي واقتصادي هش، مطبوع بالصراعات المرتبطة بالإرث والهيمنة الذكورية ونضال النساء من أجل لقمة العيش.

وتتجلى ايجابية السيناريو في فكرته الأساسية التي تنطلق من فعل بسيط هو جمع الطحالب البحرية، لتُحوِّله إلى استعارة مكثفة عن الاستغلال والهشاشة والتهميش الاجتماعي. وهذا الاختيار الوارد يجعل الحكاية قادرة على حمل أبعاد رمزية متعددة، فهي في ظاهرها قصة فتاة تدعى "هنية" مهمشة على أطراف البحر، لكنها في عمقها تبرز وضعية نساء كثيرات يواجهن الإقصاء اليومي في مناطق مختلفة من المغرب. وهنا يثبت السيناريو أنه انطلق من تفصيل صغير في الحياة الواقعية يتسع تدريجيًا ليصبح صورة عن الهامش الإنساني برمته.

ويحسب للسيناريو أيضًا أنه يمنح البطلة  "هنية" مركزية واضحة، ويجعل من مقاومتها الصامتة خيطًا ناظمًا للحكاية، فتحولت من ضحية إلى رمز للصمود والبحث عن الكرامة في مواجهة محيط قاسٍ، وهذا البعد الإنساني يجعل الفيلم قريبًا من الجمهور، لأنه يقدم قصة محلية بجذور اجتماعية، لكنها تحمل في الوقت نفسه بعدًا  اجتماعيا مغربيا عن معاناة النساء في مواجهة الاستغلال و الهيمنة الذكورية في بعض المناطق القروية خاصة.

ويعطي الإخراج لنفسه مساحة واسعة من الحرية في اختيار  اللقطات المقربة في عيون هنية و نسيبتها أم مصطفى، ويبرز ذلك أيضا اللقطات البعيدة في شاعرية البحر واستغلال الفضاء البحري كمسرح للأحداث، ويلتقط المخرج صورًا بانورامية للمنطقة ويحولها إلى لوحات جمالية شهدناها، تجعل البحر شخصية صامتة توازي معاناة البطلة، وتساهم هذه الصور في ترسيخ البعد التأملي للفيلم، وتكشف أن العين الإخراجية اهتمت بالبعد التشكيلي بقدر اهتمامها بالبعد الدرامي.

ويبلغ الإبداع ذروته مع الصور التي التقطها مدير التصوير فاضل شويكة في عمق البحر، ولحظة انغماس  في جمع الطحالب، وهنا تتحول الكاميرا إلى عين غاطسة تتابع حركات الجسد وسط الموج والتيارات، فتنقل للمشاهد إحساسًا مباشرًا بالاختناق والخطر، إذ تتماوج اللقطات بين العتمة والنور، وبين صفاء المياه وارتطام الأمواج، لتخلق لغة بصرية مشحونة بالرهبة وجمال الفضاء معًا. هذا الاشتغال على الفضاء البحري يمنح بعدًا بصريًا معقولا لجمالية الصورة في هذا العمل.

ويشهد الفيلم أيضا  اجتهادا في الاداء، إذ قدّم ماجد لكرون في دور "المعطي" حضورًا متزنًا ومقنعًا كشخصية طاغية بواقعية بدون تصنع،  إذ يعد ماجد لكرون واحدًا من الوجوه المميزة في الساحة الفنية المغربية الذين لم يأخذوا مكانتهم الحقيقية، أما يسرى بوحموش  في دور "هنية" أداءً مجتهدًا و معقولا، برز فيه اجتهادها في الإمساك بخيوط شخصية صعبة تعيش التهميش اليومي، فعبّرت بجسدها ونظراتها أكثر مما عبّرت بالكلام، وهو ما انسجم مع طبيعة الفيلم القائمة على الصمت والتأمل، وتأتي الفنانة القديرة خديجة عدلي لتضيف لمسة من الإتقان والخبرة في دور "غظيفة"، إذ منحت الشخصية التي جسدتها قوة صامتة، مؤكدة مرة أخرى مكانتها كأحد الوجوه البارزة في الدراما والسينما المغربية.

ويبدأ المونتاج في "طحالب مرة" بإيقاع سريع لا يترك للمتفرج الوقت الكافي للتعرف على الشخصيات أو استيعاب العلاقات التي تربطها فيما بينها مثل "هنية" و ابناءها و "المعطي" و "مصطفى"، كما لا يمنح فرصة لرسم ملامح الزمان والمكان خلال العشر دقائق الأولى. هذا التسارع المبكر جعل المقدمة أقرب إلى عرض مكثف للمعلومات دون تدقيق، عوض أن تكون مدخلًا سلسًا إلى العوالم النفسية والاجتماعية التي تحرك الأحداث مثل اسباب التشاحن بين الاخ "مصطفى" و اخوه "المعطي" و الزوجة "هنية" و "المعطي"، وهكذا ضاع على الفيلم ما يسمى في اللغة السينمائية بـ"زمن التأسيس"، أي الزمن الضروري لبناء قاعدة سردية متينة تضمن تماسك القصة وشد انتباه المشاهد.

ويقضي القانون غير المعلن في السينما بأن العشر دقائق الأولى هي لحظة حاسمة في جذب المتفرج أو فقدانه، لأنها تضع التعريف الأساسي بالشخصيات والفضاء وتفتح الطريق أمام العقدة الدرامية. فإذا كان الإيقاع أسرع مما ينبغي، يضيع التعريف كما حصل فعلًا في هذا الفيلم مع عائلة "مصطفى" و زوجته "هنية"، وإذا تباطأ أكثر مما يجب، يحتاج المشاهد إلى نَفَس طويل يصعب الحفاظ عليه إذا استمر الإيقاع على نفس النغمة. وفي الحالتين تكون النتيجة واحدة: فقدان الانتباه للمتفرج الذي يحاول عبثًا ربط خيوط القصة وفهم منطلقاتها.

وبصم "طحالب مرة" على حضور لافت في المهرجانات الدولية، حينما توج في يونيو الماضي بأربع جوائز في المهرجان الدولي للأفلام “كولدن فيمي” بالعاصمة البلغارية صوفيا، إذ حصل الشريط الروائي الجديد على جائزة أفضل دراما لفيلم أجنبي، وجائزة أفضل إخراج لشويكة، بينما توج أداء يسرى بوحموش بجائزة أفضل دور نسائي، فيما حازت رقية بنحدو جائزة أفضل إنتاج.