'ذاكرة شمبانيا': إشكالية كتابة التاريخ بين السلطة والسرد

شمبانيا هنا تمثل ذاكرة طبقية وسياسية وروحية، فضاء تتقاطع فيه الأديرة والقصور، والطموح الإقطاعي والتقوى، والإيمان والخديعة، ومن خلال هذا الامتداد الجغرافي، أُظهر هشاشة السرديات الكبرى حين تُختبر بمصائر الأفراد.

حين أتناول عملي السردي "ذاكرة شمبانيا" بالنقد، والذي أتخذ فيه من أوروبا الوسيطة مسرحا له، ومن القرن الثاني عشر زمنا إشكاليا، لا أكون إزاء رواية تاريخية بالمعنى الوصفي المتداول، ولكن أمام اختبار فلسفي لفكرة الذاكرة ذاتها: من يملك حق سرد الماضي؟ ومن يحدد زاوية النظر إليه؟ وأي وعي يتشكل حين يعاد بناء تاريخ لا ينتمي مباشرة إلى السرديات العربية؟

ومع ذلك، فإن هذا المسعى، مهما بدا واعيا بذاته، لا يخلو من مخاطر معرفية كامنة؛ إذ إن الكتابة عن تاريخ لا أنتمي إليه تظل فعلا محفوفا بإمكانات الإسقاط، وباحتمال أن يتسلل الحاضر، في صمت، ليعيد تشكيل الماضي على صورته.

في هذا الأفق، أقرأ روايتي "ذاكرة شمبانيا" باعتبارها تمرينا معرفيا عميقا على إعادة التفكير في العلاقة بين الأدب والتاريخ، وبين الهوية والكتابة، وبين المركز والهامش.

ولا تنفصل هذه العلاقة، في تقديري، عن سؤال اللغة ذاتها: فاللغة التي نكتب بها التاريخ ليست وعاء محايدا؛ إنها أداة تشكيل تحدد ما يُرى وما يُطمس، وما يقال وما يؤجل، بحيث يغدو السرد نفسه ممارسة للسلطة بقدر ما هو محاولة لفهمها.

لا ينصرف اشتغالي في هذه الرواية إلى الحدث الصليبي بوصفه صداما دينيا مباشرا، ولا إلى استثمار ثنائية العدو والصديق، وإنما يتجه نحو ما هو أكثر تعقيدا: البنية الذهنية التي أنتجت ذلك الزمن، بما تحمله من منظومات الشرف والخزي والسلطة والخلاص.

وشمبانيا هنا ليست جغرافيا محايدة، إنها مركز ثقل رمزي داخل فضاء أوسع يمتد عبر أقاليم متعددة من مملكة فرنسا، من برغونية إلى نورمندي، ومن الأديرة المعزولة إلى القصور الإقطاعية. هي ذاكرة طبقية وسياسية وروحية، فضاء تتقاطع فيه الأديرة والقصور، والطموح الإقطاعي والتقوى، والإيمان والخديعة. ومن خلال هذا الامتداد الجغرافي، أُظهر هشاشة السرديات الكبرى حين تُختبر بمصائر الأفراد.

غير أن الذاكرة، كما أتعامل معها هنا، ليست مجرد مادة قابلة لإعادة التأويل، ولكن ساحة صراع ضمني بين روايات متنافسة، حيث لا يكون النسيان نقصا، وإنما استراتيجية. فكل سرد للماضي يفترض، بالضرورة، إقصاء سرد آخر، وكل استعادة تعني، في الآن ذاته، إعادة ترتيب لتراتبية المعنى. ومن هذا المنظور، لا أكتب الذاكرة بوصفها استرجاعا؛ أكتبها إعادة توزيع للقوى داخل الحكاية نفسها.

غير أن هذه البنى الذهنية لا تتشكل في فراغ؛ إنها تتكون داخل شروط مادية وتاريخية ملموسة، حيث يتقاطع الفكر مع التجربة المعاشة، وتتشكل القيم ضمن سياقات اجتماعية وسياسية معقدة.

إن اختياري لشخصيتين نسائيتين في قلب هذا العالم الذكوري ليس مجرد قرار فني، إنه موقف معرفي. تتحول أديل دو بلوا وإليزابيث دو شابس إلى عدستين نقديتين تكشفان ما يخفيه التاريخ الرسمي: أن السلطة لا تمارس فقط بالسيف، وأن القرارات المصيرية كثيرا ما صيغت في الهامش، في الصمت، في الصبر الطويل. ليست المرأة في هذا النص رمزا زخرفيا ولا وظيفة سردية ثانوية؛ إنها فاعل تاريخي يعمل عبر الذكاء، التحالف، الرعاية، والمناورة الأخلاقية. بهذا المعنى أطرح سؤالا مقلقا: كم من التاريخ نُسب إلى الرجال بينما صاغته النساء من خلف الستار؟

ولا يقتصر هذا الاشتغال على مستوى الدلالة؛ إنه يمتد إلى البنية السردية ذاتها، حيث يتشكل المعنى عبر تعدد زوايا النظر، وتوزيع المعرفة بين الشخصيات، بحيث لا يمتلك أي صوت سلطة مطلقة على الحقيقة. إن هذا التوزيع المقصود للرؤية يجعل السرد نفسه فضاء للتوتر، لا بين الشخصيات فحسب، وإنما بين إمكانات الفهم المختلفة التي تُترك للقارئ دون حسم نهائي.

ولعل هذا الطرح لا يكتمل إلا حين ندرك أن هذا "الهامش" لم يكن غائبا بقدر ما كان مُغيَّبا، وأن استعادته اليوم ليست مجرد إنصاف رمزي، ولكن إعادة توزيع للمعنى داخل السرد التاريخي نفسه.

اللافت في هذا العمل أنني أكتب تاريخا أوروبيا دون أن أسقط في غواية الاستشراق المعكوس، ولا في خطاب المظلومية، ولا في تمجيد الآخر. ليس الحياد هنا برودا، إنه انضباط أخلاقي في مقاربة الماضي. أترك الشخصيات لتتكلم من داخل منظوماتها القيمية، بإيمانها وخيباتها، دون أحكام جاهزة أو إسقاطات أيديولوجية فجة. هذا ما يمنح النص قوة إقناعه: يعري التاريخ دون يحاكمه.

ومع ذلك، فإن هذا التعري لا يعني امتلاك الحقيقة، وإنما الاقتراب منها ضمن أفق تأويلي يظل مفتوحا على احتمالات متعددة، حيث لا يكون السرد كشفا نهائيا، ولكن اقتراحا للفهم.

ومن زاوية نقدية أوسع، أستطيع القول إن "ذاكرة شمبانيا" تمارس فعلا مزدوجا: تفكيك الذاكرة الأوروبية من الداخل، وتوسيع أفق الرواية العربية من الخارج. أنا، الآتي من هوية مركبة وتجربة عيش في قلب الثقافة الغربية، لا أكتب بصفتي ضيفا على التاريخ الأوروبي، ولا تابعا لسرديته؛ أكتب بوعي قارئ يعرف معنى الإقصاء، ويعرف كيف يُستعاد الماضي حين يُكتب من موقع المعرفة لا من موقع التبعية. يحول هذا العبور السردي الرواية إلى مساحة حوار حضاري صامت، يبرهن أن التاريخ ليس ملكا لأمة واحدة، وأن الذاكرة الإنسانية مشتركة، حتى حين تتنازعها السيوف والعقائد.

وفي هذا السياق، يفرض نفسه سؤال مقارن: كيف يُكتب التاريخ في السرديات العربية، وكيف يمكن لهذا الاشتباك مع تاريخ آخر أن يعيد مساءلة طرائقنا نحن في تمثيل ماضينا؟

الرواية أيضا مساءلة أخلاقية لفكرة التنظيمات المقدسة حين تتحول من بحث عن السمو إلى أداة للسلطة. نشأة فرسان الهيكل أعرضها هنا في لحظتها الأولى، قبل الأسطرة الكاملة، قبل الانحراف، في تلك المنطقة الرمادية التي يتجاور فيها الإيمان الصادق والطموح السياسي. هذه المنطقة هي ما يمنح النص بعده الفلسفي: لا يولد الإنسان شريرا ولا نقيا، وإنما يصير ما هو عليه عبر اختيارات صغيرة تتراكم داخل سياقات كبرى.

وهنا يتقاطع السؤال الأخلاقي مع سؤال وجودي أعمق: كيف يصنع الإنسان نفسه داخل تاريخ لا يختاره بالكامل، ومع ذلك يجد نفسه مضطرا للعيش داخله وتبرير أفعاله ضمنه؟

في المحصلة، ليست "ذاكرة شمبانيا" استعادة لماض أوروبي فحسب؛ إنها اختبار لقدرتي، كروائي، على مغادرة مناطق الأمان، وعلى مساءلة علاقتي بالتاريخ العالمي من موقع الندية، وعلى استخدام السرد بوصفه أداة تفكير لا مجرد حكاية. نص كهذا يذكرني أن الأدب، حين يكون عميقا، لا يضيف قصة جديدة إلى الرفوف، وإنما يضيف سؤالا جديدا إلى وعينا؛ وهذا هو جوهر الكتابة التي أطمح أن تُقرأ طويلا. وفي هذا الأفق، لا يكون القارئ متلقيا سلبيا، وإنما شريكا في بناء المعنى، إذ إن كل قراءة تعيد كتابة النص، وتمنحه حياة جديدة داخل وعي مختلف.

بوصفـي كاتب هذا العمل، أجدني مدفوعا إلى توسيع هذا الأفق النقدي عبر استحضار تقاطعاته مع تقاليد فكرية وأدبية عالمية اشتغلت على الأسئلة نفسها. ذلك أن الإشكال الذي أطرحه، إشكال الذاكرة ومن يكتب التاريخ، يتجاوب بوضوح مع أطروحات ميشيل فوكو حول علاقة المعرفة بالسلطة، حيث لا يكون السرد التاريخي بريئا، إنه دوما نتاج شبكات قوى تحدد ما يقال وما يُطمس. وفي هذا المعنى، أعي أن "ذاكرة شمبانيا" تمارس، سرديا، ما يمكن تسميته بأركيولوجيا الخطاب، أي التنقيب في طبقات التاريخ لا بوصفه وقائع، ولكن بوصفه بناء تأويليا.

وهذا ما يضع السرد في منطقة توتر دائم بين الحقيقة والتخييل: إلى أي حد يمكن للرواية أن تقترب من الواقع دون أن تفقد طبيعتها بوصفها بناء تخييليا؟

ولا ينفصل هذا الاشتغال على الذاكرة عن البنية الزمنية للنص، حيث لا يأخذ الزمن شكلا خطيا مستقرا؛ إنه يتشظى عبر استرجاعات متكررة تعيد ترتيب الحدث وفق منطق الوعي لا وفق تعاقب الوقائع. إن الاسترجاع هنا ليس تقنية سردية تزيينية، وإنما أداة معرفية تعكس طبيعة الذاكرة نفسها بوصفها حركة ارتدادية، تنتقي، تعيد التأويل، وتعيد بناء الماضي من داخل الحاضر. وبهذا المعنى، لا يُروى الحدث في "ذاكرة شمبانيا" كما وقع؛ يُروى كما يُتذكَّر، أي كما يعاد تشكيله داخل وعي الشخصيات، وهو ما يخلق زمنا سرديا مركبا، تتداخل فيه الطبقات الزمنية بدل أن تتعاقب.

كما أنني أجد صدى واضحا لتجربتي في تفكير بول ريكور، خاصة في الذاكرة، التاريخ، النسيان، حيث لا يعود السرد إعادة تمثيل للماضي، وإنما إعادة تشكيل له ضمن أفق تأويلي مفتوح. ومن هنا، فإنني لا أستعيد الماضي الأوروبي، ولكن أعيد كتابته من موقع وعي نقدي، يضعه في مواجهة أسئلته المؤجلة.

وعلى مستوى التخييل، لا أخفي تأثري بتجارب كبرى مثل أمبرتو إيكو في "اسم الوردة"، حيث يتحول العصر الوسيط إلى مختبر فكري. ومع ذلك، سعيت إلى الذهاب أبعد من ذلك، نحو مساءلة أنطولوجية للزمن ذاته، لا مجرد إعادة بنائه سرديا. فإذا كان إيكو قد جعل من التاريخ لعبة تأويل معقدة، فإنني أسعى إلى جعله مجالا للمساءلة الأخلاقية والوجودية، حيث لا يكون الماضي لغزا يُحل، وإنما تجربة تُفهم.

وفي معالجتي للهامش النسوي، أجد تقاطعا مع حساسية توني موريسون، التي جعلت من السرد أداة لاستعادة الأصوات المقصاة، غير أنني حاولت أن أكشف أن هذا "الهامش" لم يكن هامشا إلا في ظاهر الخطاب، بينما كان في العمق أحد محركات التاريخ الخفية.

أما على المستوى الأسلوبي، فإنني أعتز اعتزازا شديدا بخياري استخدام المضارع التاريخي، خصوصا على لسان شخصية إيود دو روجيمونت. إن هذا الاختيار، في نظري، ليس مجرد تقنية؛ إنه موقف جمالي وفلسفي، يضع السرد في تماس مع تقاليد عريقة تمتد من هوميروس في الإلياذة، حيث ينبض الماضي في صيغة الحضور. إن إيود دو روجيمونت، حين يتكلم بالمضارع، لا يروي ما حدث؛ يجعله يحدث من جديد، يعلق الزمن، ويمنح القارئ تجربة معيشة لا مجرد معرفة. وهذا ما أراه من أنجح رهانات النص، لأنه يحول التاريخ من مادة مغلقة إلى تجربة حية مفتوحة.

ولعل هذا الوعي بالزمن يلتقي، في عمقه، مع تصورات هنري برغسون حول الديمومة، حيث لا يعود الزمن سلسلة لحظات منفصلة، وإنما تدفقا مستمرا، وهو ما سعيت إلى تجسيده سرديا.

ولا يمكنني، في هذا السياق، أن أغفل حبي الكبير لشمبانيا نفسها؛ هذه الأرض التي لم أتعامل معها كمجرد فضاء جغرافي، ولكن ككيان حي، كذاكرة نابضة بالتاريخ والطبقات والمعاني. إن افتتاني بشمبانيا، بطبيعتها وتاريخها وثرائها الرمزي، كان أحد الدوافع الأساسية لكتابة هذا العمل، حتى كأن الرواية في أحد وجوهها هي أيضا كتابة عن مكان عشقته بقدر ما تأملته.

وربما، في أفق أوسع، لا تعود هذه الرواية معنية بالماضي الأوروبي في ذاته، وإنما تصبح تمرينا على إعادة التفكير في معنى الانتماء الإنساني كله. فحين يُكتب تاريخ الآخر بوعي نقدي، لا نكتشفه فحسب، وإنما نكتشف حدود ذواتنا أيضا، ونعيد تعريف موقعنا داخل تاريخ لا يمكن اختزاله في سردية واحدة أو هوية مغلقة.

بهذا كله، أرى أن "ذاكرة شمبانيا" ليست مجرد رواية تاريخية، إنها مشروع كتابة يعيد مساءلة التاريخ من داخله، ويقترح على الرواية العربية أفقا أوسع، أفقا تتحول فيه الكتابة إلى أداة معرفة، ويغدو فيه الماضي مادة للتفكير لا مجرد حكاية.

تتألف الرواية من 353 صفحة، وقد صدرت حديثا عن دار "أدليس للنشر والتوزيع"، باتنة (الجزائر).