رحيل تشيني الرجل الذي غيّر وجه السياسة الأميركية وأشعل حروب الشرق الأوسط
واشنطن – أعلنت عائلة ديك تشيني، نائب الرئيس الأميركي الأسبق، وفاته عن عمر ناهز 84 عاماً، لتطوى بغيابه صفحة مثيرة في تاريخ الولايات المتحدة السياسي والأمني، وليرحل أحد أكثر الشخصيات التي أثارت جدلاً خلال العقود الأخيرة داخل واشنطن وخارجها.
كان تشيني بمثابة “العقل الصلب” لإدارة الرئيس جورج بوش الابن، وأحد أبرز مهندسي ما عُرف لاحقاً بـ"عقيدة المحافظين الجدد" التي أعادت رسم خريطة الشرق الأوسط مطلع القرن الحادي والعشرين، فقد كان له الدور الأكبر في صياغة السياسات التي أدت إلى غزو أفغانستان ثم العراق، ضمن ما سُمّي آنذاك بـ"الحرب على الإرهاب"، التي شكّلت نقطة تحول كبرى في السياسة الدولية.
بدأ تشيني مسيرته السياسية منذ سبعينات القرن الماضي، حيث صعد بهدوء داخل أروقة الحزب الجمهوري، وعُرف بدقته البيروقراطية وصلابته الفكرية. شغل مناصب مؤثرة بينها كبير موظفي البيت الأبيض في إدارة الرئيس جيرالد فورد، ثم وزير الدفاع في عهد جورج بوش الأب، حيث أشرف على عملية “عاصفة الصحراء” التي أنهت الوجود العسكري العراقي في الكويت عام 1991.
لكن الحدث الذي غيّر مسار حياته بالكامل كان هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، ففي ذلك اليوم، جلس تشيني في غرفة العمليات تحت البيت الأبيض يتابع الأحداث، واتخذ قرارات استثنائية سمحت باستخدام القوة المميتة ضد الطائرات المختطفة. ومن هناك، بدأ يرسّخ نفوذه داخل الإدارة الأميركية، متجاوزاً في بعض الأحيان سلطات وزارات الخارجية والدفاع والمخابرات.
كان تشيني المحرّك الأساسي وراء توجيه السياسة الأميركية نحو الحرب في العراق عام 2003، مستنداً إلى تقارير استخباراتية غير مؤكدة تحدثت عن امتلاك نظام صدام حسين أسلحة دمار شامل. ومع مرور الوقت، أثبتت التحقيقات أن تلك الادعاءات كانت خاطئة، لكن تشيني لم يبدِ أي ندم، مؤكداً أنه "تصرف وفق أفضل المعلومات المتاحة آنذاك"، ومعتبراً أن إسقاط النظام العراقي "أزال خطراً حقيقياً يهدد الأمن العالمي".
ورغم فشل تلك الحرب في تحقيق الاستقرار الموعود، فقد ظلت بصمة تشيني حاضرة في معظم القرارات الأمنية والعسكرية الأميركية خلال عقدين لاحقين. فقد دعم إنشاء معتقل غوانتانامو، ووافق على استخدام أساليب استجواب قاسية اعتبرتها منظمات حقوقية "تعذيباً"، لكنه دافع عنها قائلاً إنها أنقذت أرواحاً أمريكية. وبهذا المعنى، مثّل تشيني الوجه الأوضح للتيار الذي قدّم الأمن القومي على حساب القيم الليبرالية التي طالما تغنّت بها واشنطن.
خصومه في واشنطن وخارجها يعتبرون تشيني الوجه الأكثر قسوة للنظام الإمبراطوري الأميركي
لم يكتف الرجل الصلب والمتشدد بدور نائب الرئيس الظلّ، بل كان مهندساً للسياسات الاقتصادية المرتبطة بصناعة النفط والدفاع، حيث عمل سابقاً في شركة "هاليبرتون" العملاقة، التي استفادت من عقود بمليارات الدولارات بعد الغزو الأميركي للعراق. هذا الارتباط بين السياسة والمصالح التجارية أثار انتقادات واسعة، ورأى فيه خصومه دليلاً على تزاوج خطير بين السلطة ورأس المال في إدارة بوش.
مع نهاية ولايته الثانية عام 2009، غادر تشيني البيت الأبيض وهو أحد أكثر المسؤولين إثارة للانقسام في تاريخ الولايات المتحدة الحديث، إذ بلغت نسبة تأييده الشعبي نحو 30 في المئة فقط، لكن على الرغم من تراجع شعبيته، ظل مقتنعاً بأن "التاريخ سينصف قراراته".
وفي السنوات اللاحقة، ومع صعود دونالد ترمب داخل الحزب الجمهوري، وجد تشيني نفسه في مواجهة التيار الشعبوي الجديد، فقد انتقد ترمب بشدة ووصفه بأنه "أخطر من واجهته الجمهورية الأميركية في تاريخها"، في إشارة إلى تهديده لقيم الدستور والنظام الديمقراطي. وجعله موقفه هذا معزولاً داخل حزبه، لكنه وجد دعماً من التيارات الوسطية وبعض الديمقراطيين، بل صوّت في انتخابات 2024 لصالح كامالا هاريس، في مفارقة غير مسبوقة لرجل قضى عمره في خدمة التيار المحافظ.
وعلى الصعيد الشخصي، عانى تشيني من أمراض القلب منذ شبابه، ونجا من خمس نوبات قلبية على الأقل قبل أن يخضع لعملية زراعة قلب ناجحة عام 2012 مكّنته من مواصلة حياته النشطة لعقد إضافي.
وبرحيله، يفقد المشهد الأميركي شخصية طبعت مرحلة كاملة من تاريخ القوة العظمى العالمية، شخصية جمعت بين الحزم والعناد والقدرة على صناعة القرار من خلف الكواليس. وبينما يرى أنصاره أنه "دافع عن أمريكا في لحظتها الأكثر ضعفاً"، يعتبره خصومه "الوجه الأكثر قسوة للنظام الإمبراطوري الأميركي"، لكن المؤكد أن ديك تشيني، بكل تناقضاته وقراراته المثيرة، سيبقى أحد الرموز التي لا يمكن فصلها عن "عصر الحروب الأميركية" الذي ما تزال ارتداداته تهزّ العالم حتى اليوم.