رسالة بوليساريو إلى مجلس الأمن… صرخة في فراغ دبلوماسي

رسالة بوليساريو إلى مجلس الأمن ليست حدثًا دبلوماسيًا، بل إشارة سياسية إلى أزمة داخلية أعمق تعيشها الجبهة في قراءة التحولات المحيطة بها.

عشية انعقاد جلسة مشاورات مجلس الأمن المغلقة حول بعثة الأمم المتحدة في الصحراء المغربية (المينورسو)، بعث ممثل جبهة بوليساريو لدى الأمم المتحدة، سيدي محمد عمار، رسالة إلى السفير الروسي فاسيلي نيبينزيا، رئيس مجلس الأمن الحالي.

رسالة جديدة، بلغة قديمة، تكشف أكثر مما تخفي عن حالة الارتباك والتخبط التي تعيشها الجبهة الانفصالية في مواجهة التحولات العميقة التي يعرفها ملف الصحراء على المستوى الدولي.

لغة الماضي في زمن الواقعية

من خلال استحضارها المتكرر لمفهومي “الاستفتاء” و”تقرير المصير”، تحاول الجبهة إحياء خطاب تجاوزه الواقع السياسي منذ أن طرح المغرب سنة 2007 مبادرة الحكم الذاتي، التي وصفتها الأمم المتحدة بأنها جدية وذات مصداقية وواقعية.

إن عودة بوليساريو إلى هذه المفردات ليست تمسكًا بالمبدأ بقدر ما هو افتقار إلى بديل سياسي، فهي ترفض مواجهة الحقيقة: العالم لم يعد يتحدث عن “استفتاء”، بل عن “حل سياسي واقعي ومتوافق عليه”، وهو ما يعني عمليًا نهاية أطروحتها الكلاسيكية.

رهان خاسر على موسكو

اختيار السفير الروسي عنوانًا للرسالة ليس بريئًا؛ فالجبهة تراهن على ما تعتبره “تحفظًا روسيًا” تجاه بعض المواقف الأميركية والفرنسية، لكنها تتجاهل أن موسكو، رغم لغتها الحذرة، لم تنحز يومًا إلى أطروحتها الانفصالية، فروسيا تدافع عن “الشرعية الدولية” بمفهومها العام، لكنها لا ترى في نزاع الصحراء قضية استراتيجية ضمن أولوياتها، وبذلك تتحول رسالة بوليساريو إلى مناشدة دبلوماسية بلا صدى، أقرب إلى محاولة تسجيل حضور إعلامي في غياب تأثير فعلي في كواليس القرار الأممي.

الانعزال السياسي أمام الإجماع الدولي المتنامي

في السنوات الأخيرة، باتت جبهة بوليساريو تواجه تآكلًا متسارعًا في ما تسميه "شرعيتها"، سواء على مستوى الأمم المتحدة أو داخل الاتحاد الإفريقي، فالاعتراف الأميركي بمغربية الصحراء سنة 2020، والمواقف الأوروبية المتتالية الداعمة لمقترح الحكم الذاتي، والمساندة المتزايدة من دول أمريكا اللاتينية وإفريقيا وآسيا، كلها مؤشرات على أن الزمن السياسي لم يعد في صالحها.

ومع كل دورة جديدة لمجلس الأمن، تزداد لغة قراراته وضوحًا: حل سياسي واقعي، عملي ودائم، قائم على التوافق. هذه الصيغة، التي أصبحت لازمة أممية، تختصر المسافة بين المجتمع الدولي والرؤية المغربية، وتقصي عمليًا مشروع “الدولة المزعومة” الذي تلوّح به الجبهة.

دبلوماسية الصدى الإعلامي

الرسالة الأخيرة ليست سوى جزء من استراتيجية الخطاب الرمزي التي تعتمدها الجبهة للحفاظ على حدٍّ أدنى من الحضور داخل المشهد الأممي، فبعد أن فقدت القدرة على التأثير في صياغة قرارات مجلس الأمن، باتت تكتفي بإرسال المذكرات والبيانات التي تُوزَّع على وسائل إعلام محدودة التأثير، محاولةً خلق ضجيج إعلامي يعوّض الغياب السياسي.

المغرب: هدوء الدبلوماسية وثقة المبادرة

في المقابل، يواصل المغرب التحرك ضمن إطار مؤسساتي منضبط، مستندًا إلى ثقة متنامية في عدالة قضيته ومشروعية مقترحه للحكم الذاتي، فالسياسة المغربية لم تعد دفاعية، بل أصبحت هجومية بمعناها الدبلوماسي، قائمة على بناء التحالفات الإيجابية وتوسيع رقعة الاعتراف الدولي، دون الانجرار إلى مهاترات خطابية.

هذا التوازن بين الصرامة والهدوء جعل المقاربة المغربية تحظى باحترام واسع في المنتظم الدولي، مقابل تراجع الخطاب الانفعالي والاتهامي الذي تبنّته بوليساريو وحاضنتها الجزائر.

رسالة بوليساريو إلى مجلس الأمن ليست حدثًا دبلوماسيًا، بل إشارة سياسية إلى أزمة داخلية أعمق تعيشها الجبهة في قراءة التحولات المحيطة بها. لقد أصبحت حركتها محصورة بين الحنين إلى سردية فقدت صلاحيتها، والعجز عن التكيف مع الواقع الجديد الذي تفرضه الدينامية المغربية المتصاعدة. إنها صرخة في فراغ دبلوماسي، تحاول من خلالها الجبهة إقناع العالم بأن شيئًا لم يتغير، بينما الحقيقة أن كل شيء تغيّر.