"رمزية رفع العقوبات عن الشرع".. رهانات الدبلوماسية وتحديات الواقع الداخلي.
تُعدّ قضية رفع العقوبات الأممية عن سوريا ورموزها الجُدد إحدى المحطات المفصلية في مسار استعادة الدولة السورية لدورها على الساحة الدولية، لكنها في الوقت ذاته نقطة انطلاق لمعركة أكثر تعقيداً داخل الجغرافيا السياسية والاجتماعية السورية. فما بين رمزية الخطوة الدبلوماسية وتحديات الواقع الداخلي المتشابك، تنبثق أسئلة جوهرية حول طبيعة التحولات الضرورية التي تقود إلى استقرار حقيقي ومستدام. هذه النقطة المفصلية تتطلب قراءة عميقة تأخذ في الاعتبار أبعاد الشرعية وتداخلات القوى السياسية والاجتماعية، وواقع الانقسامات التي تُضعف إمكانية تحقيق توافق وطني شامل. ومن هذا المنطلق، لا بد من وضع تصوّرات منطقية لمسار رفع العقوبات في سياق إعادة البناء السياسي والاجتماعي لسوريا، واستعراض شروط النجاح وقيود الواقع، ومدى قدرة هذه الخطوة على فتح آفاق جديدة، أم أنها مجرد فصل في قصة مستمرة من التحديات المعقدة.
إن رفع العقوبات الدولية عن الشرع وخطاب يُشكّل خطوة دبلوماسية في سياق إعادة إدماج الدولة السورية في النظام الدولي، غير أن ذلك لا يعدو كونه بعداً رمزياً مشروطاً بعوامل معقدة، لا سيّما داخل المشهد السياسي السوري المتشظي والمليء بالأزمات البنيوية. فالواقع الداخلي يعاني من انقسامات عميقة وشرعية هشّة ومتزعزعة، تجعل من رفع العقوبات مؤشراً ناقصاً ومضللاً عند تقييم الوضع السياسي والاجتماعي في سوريا. كما أن هذه الخطوة ليست سوى رهان دبلوماسي على تحولات إقليمية ودولية أوسع، تتطلب بدورها تغييرات مؤسسية، وحوكمة شفافة، واحتراماً لحقوق السوريين بكل مكوّناتهم، فضلاً عن انتقال ديمقراطي شامل يستوعب أطياف السوريين كافة.
وبالنظر إلى الواقع السوري الداخلي الذي تكتنفه صراعات متعددة الأبعاد وأزمات سياسية وأمنية متشابكة، تبقى فاعلية رفع العقوبات محدودة ومحصورة في رمزية خارجية ما لم تترافق مع إنجازات ملموسة على الأرض. وتزداد صعوبة هذه الخطوة في ظل التشكيك الشعبي الكبير بالطبقة السياسية الحاكمة، حيث يبقى معيار النجاح الحقيقي هو قدرة الداخل السوري ذاته على تجاوز أزمات الشرعية، وتحقيق توافق وطني جامع، وبناء مؤسسات وطنية قادرة على توفير الاستقرار السياسي والاجتماعي.
من هذا المنطلق، لا يمكن اعتبار رفع العقوبات سوى مرحلة ضمن مسار سياسي معقد وطويل، يعتمد على معالجة العمق السياسي الداخلي بواقعية وحزم، خاصة أن تعقيدات الواقع السوري، بمستوياته الأمنية والسياسية والاقتصادية، تمثل المعيار الحقيقي لتقييم أي تقدم أو تحسّن في البلاد. وهذا يستدعي تأسيس حوار وطني حقيقي يشمل جميع القوى والمكوّنات، بهدف بناء حكم شرعي قادر على ضمان العدالة، وتعزيز المصالح الوطنية، وتلبية احتياجات الشعب السوري الاقتصادية والاجتماعية.
وعليه، تبقى خطوة رفع العقوبات مدخلاً رمزياً محدود الأثر في عملية إعادة توجيه سوريا نحو الاستقرار والتنمية، بينما تعود القرارات الحاسمة في تحديد مستقبل البلاد إلى مدى التحولات الداخلية العميقة، لا سيّما في مجالات الإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي الحقيقي. فالواقع السياسي والاجتماعي داخل سوريا هو الذي يرسم فرضيات الاستقرار والأمن، ولا يمكن اختزاله أو تجاوزه عبر تحركات دبلوماسية أو مؤشرات خارجية فحسب.
وفي ضوء ذلك، فإن رفع العقوبات وقدرتها على إحداث اختراقات على الصعيدين الدبلوماسي والسياسي يبقى ناقصاً وغير كافٍ دون مواجهات حقيقية لأزمات الشرعية والضغوط الاجتماعية والاقتصادية الكبيرة التي يواجهها المجتمع السوري. ومن هنا، تبرز الحاجة الحيوية إلى إصلاحات جوهرية وسياسات داخلية شاملة تدفع نحو توافق مجتمعي حقيقي وتحقيق استقرار سياسي لا يمكن أن يتحقق دون مشاركة فعلية من جميع مكونات الشعب السوري.
بهذا المعنى، فإن الثقل الحقيقي لأي تقدم سياسي يستمده الداخل السوري ذاته، إذ لا تُختزل التحديات ولا تُحل المعضلات بمجرد رفع العقوبات أو الخطابات الخارجية المشجعة، بل تكمن في قدرة الحكومة على إدارة التنوع المجتمعي، وتأمين شرعية ديمقراطية تمثيلية متجددة، وتنفيذ إصلاحات سياسية واقتصادية ملموسة ترسّخ الوحدة الوطنية وتحمي النسيج الاجتماعي من التفكك، مما يمهّد الطريق لتحقيق الاستقرار السياسي والأمني.
نتيجةً لما سبق، تبقى التحولات الدبلوماسية غير مكتملة ودون جدوى حقيقية في غياب تحول داخلي شامل يعيد بناء قواعد الحكم الوطني بوحدة استراتيجية ورؤية مشتركة تُشرك كل مكونات المجتمع السوري. وإلا سيبقى رفع العقوبات خطوة رمزية بعيدة عن التأثير الفعلي في حياة السوريين اليومية ومستقبل وطنهم.
وفي مقابل ذلك، تبرز إشكالية عملية تتمثل في التركيز على رفع العقوبات كعلامة وحيدة للنجاح أو التقدم. صحيح أن هذا المسار يُشكّل خيطاً دبلوماسياً، لكن الصحيح أيضاً أنه لا يعكس بالضرورة اختراقاً حقيقياً في تحديات الداخل. وما يهم السوريين في هذا التوقيت هو قدرة الحكومة الجديدة على إدارة التنوع المجتمعي، وإعادة بناء شرعية تمثيلية تمضي بخطى ثابتة نحو الوحدة الوطنية، وتنفيذ إصلاحات سياسية واقتصادية فعلية تلبي مطالب السوريين وتمنع تفكك النسيج الاجتماعي، وصولاً إلى حالة من الاستقرار السياسي والأمني.
وفي ضوء ما سبق، يتبدّى أن رفع العقوبات الأممية عن الشرع وخطاب يُشكّل خطوة رمزية ضمن إطار دبلوماسي، لكنه لا يمثل مقياساً حقيقياً للتقدم السياسي أو الاستقرار الداخلي المنشود. فواقع سوريا المعقد والمشحون بانقسامات عميقة وأزمات شرعية يتطلب تناولاً داخلياً شاملاً ومتوازناً، يشمل بناء توافق وطني مؤسسي حقيقي يعزز العدالة والتشاركية، ويحقق طموحات الشعب السوري في الاستقرار والتنمية. لذا، فإن نجاح أي تحوّل سياسي يظل مرتبطاً بفعالية الإصلاحات الداخلية وقدرة الحكومة على إدارة التنوع المجتمعي وتجسير الانقسامات عبر حوار شامل وإصلاحات ملموسة. وبهذا، يبقى رفع العقوبات مجرد مدخل رمزي في مسار طويل وشاق يتطلب رؤية وطنية متماسكة وتحولات مؤسسية حقيقية، تجعل من الداخل السوري معيار التقييم الأصدق والأعمق لوضع البلاد ومستقبلها.