زيارة الأمير محمد بن سلمان لواشنطن و"ميثاق التحول": صياغة تحالف جديد بين الرياض وواشنطن

زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى واشنطن تؤكد أن الشراكة السعودية – الأميركية تحوّلت إلى تحالف متعدد الأوجه يتجاوز الترتيبات التقليدية.

تُعدّ زيارة ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، إلى العاصمة الأميركية واشنطن في 18 تشرين الثاني/نوفمبر 2025، نقطةً مفصلية في مسار العلاقات الثنائية، إذ مثّلت تدشينًا لـ"ميثاق إستراتيجي" جديد تُمليه متطلبات التنافس الجيوسياسي المحتدم بين القوى الكبرى، وتحديدًا بين الولايات المتحدة والمحور الصيني – الروسي. وقد أزاحت هذه الشراكة الثقيلة ملف التطبيع الإسرائيلي - السعودي من مركز الاهتمام، لتركّز بدلًا من ذلك على تأمين الموارد الحيوية والسيطرة على التكنولوجيا المستقبلية كدعامتين أساسيتين للتحالف.

1 الإطار الجيوبوليتيكي: من الردع الإقليمي إلى الاحتواء العالمي

جاءت عودة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى سدة الحكم لتمنح الرياض زخمًا جديدًا، متجاوزةً الإرث المعقّد لفترة حكم الرئيس السابق جو بايدن التي اتسمت بالفتور والتركيز على قضايا خلافية. ومع تزايد مؤشرات الاستقلال الإستراتيجي للسعودية، بما في ذلك وساطة الصين في استئناف العلاقات السعودية – الإيرانية، أدركت واشنطن ضرورة ترسيخ الشراكة مع الرياض بوصفها مرتكزًا للاستقرار الإقليمي وأداةً لـ"احتواء النفوذ الصيني" المتنامي في قطاعات التكنولوجيا والبنية التحتية.

وسعت السعودية إلى إضفاء طابع مؤسسي وعابر للتباينات على علاقتها بواشنطن، مؤكدةً أن الشراكة تتخطّى الخلافات السياسية الداخلية الأميركية. وفي خطوة تعكس طموحها كقوة صانعة للقرار الإقليمي، عرضت الرياض القيام بدور وساطة فاعلة في نزاعات أخرى، مثل الحرب الدائرة في السودان، وهو ما لاقى ترحيبًا أميركيًا في سياق يهدف إلى تثبيت الاستقرار الأمني.

2 تدعيم القدرات العسكرية: طائرات الجيل الخامس والتنازلات التقنية

شكّل تعهّد ترامب بالمضي قدمًا في تزويد السعودية بمقاتلات إف–35 الشبحية، إلى جانب حزمة دفاعية ضخمة تشمل دبابات متطورة، قفزة نوعية في العلاقات الدفاعية. وتهدف هذه الصفقة إلى رفع القدرات الردعية للجيش السعودي وتعزيز التكامل مع منظومة القيادة والسيطرة الأميركية في المنطقة.

ومع ذلك، تظل الصفقة محاطة بضمانات تقنية صارمة للحفاظ على التفوق العسكري النوعي لـ"إسرائيل"، وهو التزام تفرضه واشنطن. وتشير مصادر مطّلعة إلى أن النسخة التي ستُباع للسعودية ستكون على الأرجح مقيّدة بقدرات الحرب الإلكترونية والبرمجيات الاستخباراتية، بما يضمن لـ"إسرائيل" الاحتفاظ بأفضلية تقنية دائمة. ويحاول هذا الحل الوسط التوفيق بين حاجة الرياض إلى تعزيز أمنها، والتزام واشنطن بالحفاظ على التوازن العسكري الإقليمي. وقد تُوّج هذا المسار بتوقيع الميثاق الدفاعي الإستراتيجي الذي يضع السعودية في مصاف "الحليف الرئيس من خارج الناتو"، وهو مستوى عالٍ من الالتزام الأمني دون الوصول إلى معاهدة دفاع مشترك شاملة.

3 مستقبل الطاقة والمعادن: شراكة لمكافحة الاحتكار الصيني

تُمثل المعادن النادرة محور الارتكاز الجديد للعلاقة الاقتصادية، حيث انتقل التركيز من النفط إلى المواد الأساسية اللازمة للثورة التكنولوجية. وتأسيسًا لهذا الاتجاه، جاء الإعلان عن مشروع مشترك لإنشاء مصفاة لمعالجة المعادن النادرة في السعودية، بالشراكة بين مجموعة "معادن" السعودية وشركة "إم بي ماتيريالز" (MP Materials) الأميركية، بدعم وتمويل من البنتاغون. وتُعدّ هذه المصفاة تحركًا جيواقتصاديًا لافتًا يهدف إلى تنويع سلاسل الإمداد العالمية وتقليص قبضة الصين التي تحتكر معالجة معظم هذه المعادن المستخدمة في صناعات الدفاع والطاقة النظيفة والذكاء الاصطناعي.

أما في ما يتعلق بالطاقة النووية المدنية، فرغم التقدم في مناقشات التعاون النووي (اتفاقية 123)، لا تزال نقطة الخلاف الأساسية متمثلة في إصرار الرياض على حقها السيادي في تخصيب اليورانيوم محليًا. ورغم المخاوف "الإسرائيلية" والأميركية من أن يفتح ذلك الباب أمام سباق تسلّح نووي إقليمي، ترى السعودية أن هذا المطلب شرطٌ أساسي لضمان سيادتها على كامل دورة الوقود النووي في إطار خططها لإنشاء محطات لإنتاج الطاقة الكهربائية وتنويع مصادر الطاقة.

4 شرط التطبيع: تثبيت الموقف تجاه حل الدولتين

ظلت قضية تطبيع العلاقات مع "إسرائيل" مسألة محورية، لكنها لم تعد تمثّل شرطًا لازمًا لإحراز تقدم في بقية الملفات الإستراتيجية، فقد أكد ولي العهد السعودي أن أي علاقة رسمية مع "تل أبيب" يجب أن ترتبط بـ"مسار جدي وواضح" يفضي إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.

ويشكّل هذا الموقف نقطة خلاف جوهرية تعيق إتمام الصفقة الشاملة، إذ يربط مصير المحور الإستراتيجي الأوسع من الأمن الإقليمي إلى تكنولوجيا الدفاع بضرورة إحراز تقدم ملموس في عملية "السلام". ويضع هذا الشرط عبء تحقيق "حل الدولتين" على عاتق الاتفاق الأمني، في وقت تسعى فيه واشنطن و"تل أبيب" إلى عزل الأمن الإقليمي عن النزاع السياسي، فيما تصر الرياض على أن الترابط بينهما هو مفتاح الاستقرار الدائم. ويُضاف إلى ذلك رفض رئيس الوزراء "الإسرائيلي" بنيامين نتنياهو وحكومته لأي مبادرة تؤدي إلى قيام دولة فلسطينية.

خلاصة واستشراف

يمكن القول إن زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى واشنطن تؤكد أن الشراكة السعودية – الأميركية تحوّلت إلى تحالف متعدد الأوجه يتجاوز الترتيبات التقليدية. فقد أصبحت الرياض، بثقلها الاقتصادي (استثمارات تتجاوز 600 مليار دولار في الاقتصاد الأميركي مع تعهدات بزيادتها) وموقعها الجيوإستراتيجي، شريكًا محوريًا في إستراتيجية الولايات المتحدة لاحتواء المنافسين الدوليين. ورغم استمرار التحديات، خصوصًا في ما يتعلق بقيود التكنولوجيا العسكرية وحق التخصيب النووي، فإن الاتفاقيات المبرمة في مجالات الذكاء الاصطناعي والمعادن النادرة تضع أساسًا متينًا لشراكة إستراتيجية طويلة الأمد في عالم يقوده التنافس التكنولوجي.