هدنة الصفقات والتوازن الهش: قراءة في تنازلات واشنطن وبكين ما بعد قمة بوسان
لقد كانت قمة بوسان في كوريا الجنوبية بين الرئيسين الأميركي دونالد ترامب والصيني شي جين بينغ في أواخر أكتوبر/تشرين الأول 2025، على هامش قمة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادي (أبيك)، بمثابة "هدنة مؤقتة ناجحة" في خضم حرب تجارية شرسة. إن ما شهده العالم من تراجع لكلا الزعيمين عن تهديداتهما المتعاظمة لا يعدو كونه تطبيقًا براغماتيًا لنظرية الواقعية الكلاسيكية في العلاقات الدولية، حيث تدرك القوى العظمى، حتّى أشدها عنادًا، أن التصعيد غير المحدود يهدّد المصالح القومية الجوهرية. وكما لخّصها أحد المحللين الغربيين، فإن "كل طرف نظر إلى حافة الهاوية وقرّر أن يتراجع". هذه القمة، بتنازلاتها المتبادلة، هي تجسيد لحالة من توازن القوى الهش (Balance of Power)، حيث لا تستطيع أي قوة فرض إرادتها المطلقة على الأخرى دون تكلفة باهظة غير مستدامة.
الأبعاد النظرية للتنازلات الأميركية: لعبة المكاسب الفورية
لقد عكست التزامات إدارة ترامب بوضوح عقيدتها السياسية الخارجية، القائمة على سياسة "الصفقة" (Deal - making) والمنفعة المباشرة.
وما يؤيد ما تقدّم، إعلان واشنطن، عقب القمة بين الرئيسين الأميركي والصيني، عن خفض للرسوم الجمركية المفروضة على الواردات الصينية وتمديد تعليق بعض الرسوم "لمدة عام إضافي"، وهذا أحد مخرجاتها. وهذا التراجع الذي يمكن وضعه ضمن منظور نظرية الألعاب والمباريات (Game Theory)، تحديدًا "لعبة الدجاج" (Game of Chicken)، حيث تراجعت الإدارة الأميركية عن تصعيد كان سيزعزع الأسواق المحلية والعالمية بشكل غير مقبول، كما حدث مع التهديد بفرض رسوم إضافية بنسبة 100 بالمئة. التنازل هنا يفسر على أنه اعتراف بـ"عدم جدوى استمرارية" سياسة التصعيد الأقصى.
أما عن إطار العقوبات والتكنولوجيا، فإن مخرجات القمة خلصت إلى تأجيل إطار العقوبات الذي كان سيُقيّد الشركات الصينية ما يكشف عن حساسية واشنطن لمسألة "الاحتواء" في قطاع التكنولوجيا. ترامب، بأسلوبه المتهور القائم على المكاسب الآنية، فضّل تأجيل خطوة إستراتيجية طويلة المدى (كبح الصعود التكنولوجي الصيني) مقابل مكاسب اقتصادية عاجلة (كالصويا والطاقة)، مُرجِئًا بذلك الحسم في القضايا الهيكلية العميقة مثل شرائح الذكاء الاصطناعي (مثل شرائح بلاكويل من انفيديا) التي لم تُناقش بالأساس. هذا السلوك يتناقض مع الإستراتيجيات المنضبطة طويلة المدى في سياسة القوى العظمى.
الإستراتيجية الصينية: الصعود السلمي وضبط الإيقاع
في المقابل، جاءت التنازلات الصينية متوافقة مع إستراتيجية الصعود السلمي التي تنتهجها بكين في عهد شي جين بينغ، رغم ميله إلى أسلوب الحكم الفردي والتخطيط المحكم.
ففي القمة، تنازلت بكين وقدمت التزامات في مجالي الزراعة والطاقة، حيث التزمت بشراء كميات هائلة من فول الصويا (12 مليون طن متري هذا العام بحد أدنى 25 مليون طن سنويًا لاحقًا) وشراء المزيد من الطاقة الأميركية (من ألاسكا تحديدًا)، ما يعني أنها قدمت "فدية اقتصادية" للحصول على هدنة تجارية. هذا الالتزام يعكس ضرورة إدارة جين بينغ لملف العلاقات مع الولايات المتحدة بحنكة، وشراء الوقت اللازم لمواصلة تحديث وتطوير الاقتصاد داخليًا والبحث عن بدائل عالمية، حيث أصبح اعتمادها على الأسواق الآسيوية والأوروبية يفوق مثيله على السوق الأميركية.
أما عن قضية المعادن النادرة وهي ما أسميها "الورقة الرابحة"، فقد اتفق على تعليق القيود على تصدير المعادن النادرة، التي تكاد الصين تحتكر إنتاجها عالميًا، وهذا كان التنازل الإستراتيجي الأكبر. بكين أظهرت قوة تأثيرها التكنولوجي عبر هذه الورقة، ثمّ سحبت التهديد تلبية لشروط الهدنة.
في الواقع، لا يمكن قراءة هذا التراجع على أنه تنازل عن النفوذ، بقدر ما هو تكتيك في نظرية الواقعية الهجومية (Offensive Realism)؛ حيث تستخدم الصين قوتها الاقتصادية والهيكلية لتأمين بيئة نمو مستقرة، ثمّ تتراجع بخطوة محسوبة لـ"كبح جماح تصاعد مستمر بالتوترات التجارية والسياسية".
النتائج والآفاق المستقبلية: نحو قطبية متذبذبة
تُشير التوافقات إلى أن القمة أسست لـعام من الدبلوماسية، مؤجلة بذلك الانفصال الاقتصادي (Decoupling) الكامل الذي كان يهدّد النظام العالمي.
وعلى هذا النحو، فقد اتسم المشهد بنحو من التعقيد المتدرج في اتّجاهين متناميين، الأول على مستوى مأزق القضايا الهيكلية، وهي القضايا الأكثر تعقيدًا وهيكلية، مثل النزاع على تطبيق تيك توك ومستقبل شرائح الذكاء الاصطناعي التي لم تُحل، وتم "تأجيلها" أو التوافق على "التعاون لتسويتها". هذا يؤكد أن الهدنة حل مؤقت يمنح القطبين فسحة لالتقاط الأنفاس، لكنّه لا يعالج جذور النزاع حول الهيمنة التكنولوجية والجيوسياسية.
الاتّجاه الثاني ما اصطلحت عليه "ديناميكية القطبية"، أي أن التفاعل بين القوتين يعزز فكرة القطبية المتذبذبة أو ما يُعرف بـالقطبية الثنائية الهشة. ففي حين يتقاسم الزعيمان طموحًا فرديًا (شعار ترامب "أميركا عظيمة مجددًا" مقابل "فكر شي جين بينغ" للاشتراكية ذات الخصائص الصينية في العصر الجديد)، فإن مصالحهما الاقتصادية المترابطة تجعلهما أسيرين لتوازن القوى، إذ يستفيدان من التعاون ويخسران من المواجهة.
ربطًا بما تقدّم، نخلص إلى أن استمرار التوافق مرهون بالإرادة السياسية حتّى زيارة ترامب المقترحة لبكين في أبريل/نيسان المقبل. أما على المدى الطويل، فقد سارعت الصين إلى تنويع شركائها، معززةً علاقاتها الآسيوية والأوروبية، ما يجعلها أقل عرضة للضغوط الأميركية. إن الحاجة الملحّة الآن هي لمحادثات "أكثر صلابة" لتوفير "الأطر القانونية للاستثمار المتبادل"، وهو ما لم تحققه هذه القمة التي اقتصرت في جوهرها على الصفقات التجارية العاجلة.