زيارة السيسي للإمارات وضعت حدا للشائعات

زيارة الرئيس المصري للإمارات أثبتت عمليا عمق الأواصر بين القاهرة وأبوظبي وأن أمن دول الخليج العربي من أمن مصر فعلا وليس قولا فقط.

القاهرة- وضعت زيارة الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي لدولة الإمارات العربية المتحدة يوم الخميس حدا لكثير من الشائعات التي تناثرت حول وجود توترات في العلاقة بين القاهرة وأبوظبي.

الزيارة وما رافقها من محادثات ومناقشات وترحيب من رئيس الإمارات الشيخ محمد بن زايد، أكدت عمق الروابط والتفاهمات بين البلدين وأن ما تردد بشأن عدم قيام مصر بتقديم دعم ملموس لحلفائها في منطقة الخليج العربي بعد شن إيران ضربات عسكرية أمر غير دقيق.

بثت وكالة الأنباء الإماراتية صورا لتفقد السيسي والشيخ محمد بن زايد مجموعة من الطيارين والمقاتلات المصرية بدولة الإمارات للاطلاع على الجاهزية والجهود المبذولة لتعزيز القدرات العملياتية والاستعداد لمختلف التحديات، ما يوحي بدعم عسكري واضح قدمته مصر إلى الإمارات، وأن الاجتهادات والتكهنات والتخمينات التي راجت الأسابيع الماضية حيال وقوف القاهرة على الحياد في الحرب الإيرانية من قبيل الشائعات.

أثبتت الزيارة عمليا عمق الأواصر بين مصر والإمارات، وأن أمن دول الخليج العربي من أمن مصر فعلا وليس قولا فقط. كل العبارات التي قيلت على لسان مسؤولين بالقاهرة بعد الحرب، كانت تحمل في جوهرها تحركات حقيقية لم تكن مرئية أو مطلوب عدم الكشف عن تفاصيلها. في النهاية أوقفت سيلا من الاتهامات التي وجهت إلى مصر بسبب ما يربطها من علاقات وثيقة مع جميع دول الخليج، وفي مقدمتها دولة الإمارات العربية التي أسهمت بدور معتبر في توفير دعم استثماري سخي للقاهرة خلال السنوات الماضية، ساعدها على تجاوز بعض المطبات الاقتصادية.

لا أحد يعلم بالضبط طبيعة المهام المكلفة بها القوات المصرية في الإمارات، وهل هي قاصرة على الإمارات أم أن هناك دولا خليجية أخرى استقبلت وحدات قتالية من ألوية مختلفة.

أوضحت الصور التي بثتها وكالة أنباء الإمارات وبها طيارين وطائرات رافال، ضمن مفرزة يتراوح عددها بين 8- 12 طائرة، أن مهامها الرئيسية ذات طابع قتالي/ هجومي.

لا توجد صور أو معلومات تنفي وجود أسلحة دفاع جوي، حيث اكتفت دول الخليج رسميا بالطابع الدفاعي قبل العمل بوقف إطلاق النار في 7 أبريل/نيسان المنصرم. لم تعلن انخراطها في عمليات هجومية ضد إيران التي وجهت ضربات عديدة لدول الخليج الست منذ اندلاع القتال في نهاية فبراير/شباط الماضي.

أوقفت زيارة السيسي لدولة الإمارت قدرا كبيرا من الجدل الخليجي، إلا أنها فتحت نقاشا داخليا حادا في مصر. لم تعلن القاهرة رسميا عن ارسال قوات للخارج، ولم تقدم ما يفيد بطبيعة المهام التي تقوم بها، ولم يتم اتباع الإجراءات الدستورية اللازمة لإرسال قوات خارج البلاد، عقب ممانعات عديدة في صراعات إقليمية أخرى.

 بدأت بورصة التقديرات تتعالى على مواقع التواصل الاجتماعي. تدرس الصور المتداولة لطائرات مصرية في الإمارات. وجه غالبيتها انتقادات لمهة لا أحد يعرف مغزاها بالضبط وقابلتها الأجهزة الرسمية بالصمت، ما يشير إلى أدوار لا أحد يريد الكشف عن فحواها، أو أنها موكلة للقيام بمهام محددة.

في الحالتين، هناك ارتياح في أبوظبي بدد معالم سلبية ظهرت في خطاب رواد السوشيال ميديا في الإمارات.

وضع حد للشائعات لا يكفي لتصويب مسار العلاقات بين مصر والإمارات. تحتاج هذه العملية المزيد من الجهود المشتركة لوقف الخلافات حول تفاصيل بعض القضايا الإقليمية.

إذا كانت القاهرة كررت رؤيتها الخاصة بالحفاظ على أمن دول الخليج وأدانت الهجمات الإيرانية عليها وقدمت دعما عسكريا معلنا، فإن المطلوب مناقشته باستفاضة هو وضع ترتيبات مشتركة بعيدة المدى لمنع المساس بأمن دول الخليج مستقبلا والحيلولة دون أن تشكل إيران خطرا عليها لاحقا، وعدم اللجوء إلى الولايات المتحدة التي لم يكن تعاونها على مستوى مسؤولية أوكلت إليها سابقا.

يمتص الإعلان عن تواجد قوات مصرية جانبا من الغضب الشعبي في بعض دول الخليج، ويدعم الثقة الرسمية في التعويل عسكريا على القاهرة، فقد أشار أنور قرقاش المستشار السياسي لرئيس دولة الإمارات منذ نحو أسبوع إلى ثلاث دول عربية قدمت دعما إيجابيا لبلاده، وحددها بالإسم في: مصر والمغرب وسوريا، ما يؤكد أن الخط الرسمي يسير في اتجاه والشعبي في اتجاه آخر، لأن التفاهمات العسكرية تحتاج إلى نوع من التكتم ومعظمها يتم في سرية تامة.

فرضت التعقيدات التي ولدتها الحرب الإيرانية التعامل مع تداعياتها بحسابات دقيقة. نهايتها غير معروف شكلها، هل يصمد وقف إطلاق النار أم تعود الحرب للواجهة. كما أن طبيعة التسوية السياسية حتما ستكون لها انعكاسات على دول الخليج.

واشنطن وطهران تريدان اتفاقا يضمن الحفاظ على مصالحهما. قد تترك الترتيبات الأمنية في المنطقة لمرحلة قادمة ولأن الشكوك متزايدة في كل من الولايات المتحدة وإيران، من المهم أن تتطلع دول الخليج لعقد تحالفات مع قوى إقليمية رئيسية، من بينها مصر.

قدمت القاهرة رؤية متوازنة لشكل الترتيبات الأمنية في منطقة الخليج. لم يتم التوافق عليها ووضعت على الرف. اليوم تحتاج المنطقة إلى رؤية تتناسب مع الصعوبات الإقليمية الراهنة.

يشير تمركز قوات مصرية، كبيرة أم رمزية في الإمارات أو غيرها، إلى أن القاهرة رقم في المعادلة الأمنية في المنطقة، بحكم امتلاكها شبكة جيدة من العلاقات مع دول الخليج والولايات المتحدة. ولا تحبذ الدخول في صدامات مفتوحة مع كل من إيران وإسرائيل ولا ترفض التعاون مع قوى إقليمية صاعدة، مثل تركيا وباكستان، ما يوفر غطاء سياسيا للتباحث حول صيغة منتجة تناسب أمن دول الخليج.

ينتصر دحض الشائعات التي سادت بين مصر والإمارات للرؤية التي راهنت على متانة العلاقات بينهما. لم تتوقف عند حملة منظمة من متضررين لاستمرارها على هذا الحال، أردوا تعكير صفوها بشتى السبل.

يفتح التفاهم بين القاهرة وأبوظبي المجال لتوسيع نطاقه حول قضايا عدة، كانت سببا لمنغصات خفية بينهما. يعد الوضوح والمصارحة والمكاشفة من القواعد الرئيسية لتطوير العلاقات بين الدولتين.

يلعب سوء الفهم دورا في تغذية الخلافات. لعل زيارة السيسي للإمارت تفتح بابا للتباحث بشفافية في أمور شائكة لقطع الطريق على شائعات راجت مؤخرا، ومنع تكرار التباسات سياسية كادت أن تهز ثوابت في العلاقات المصرية- الإماراتية.