منّ يحاصر منّ في الخليج العربي؟
القاهرة - تعتقد الولايات المتحدة أنها حشرت إيران في زاوية ضيقة بموجب تطويق عسكري بحري فرضته عليها، بينما تعتقد طهران أنها ضاعفت المتاعب أمام الرئيس الأميركي دونالد ترامب بعدم تخليها عن سيطرتها على مضيق هرمز، وزيادة التكلفة الاقتصادية على المجتمع الدولي برمته، بما فيه إيران والولايات المتحدة.
يحاول كل طرف فرض حصار بالطريقة التي يراها مناسبة يُكبده خسائر عسكرية واقتصادية فادحة، وربما استراتيجية. العبرة من يصرخ أولا؟
تبدي إيران حتى الآن جاهزية للتعامل مع التطويق الكبير الذي تتعرض له، توحي أنها قادرة على التحمل فترات طويلة، بعد أن ساعدها التأقلم مع العقوبات الأميركية الواسعة على التكيف مع نتائجها الكارثية.
لم تظهر الإدارة الأميركية تأففا معلنا من الطريقة التي تدير بها الحرب العسكرية والتفاوضية، وتسعى لتعديل سياساتها.
يصعب القول إن الولايات المتحدة تحاصر إيران، أو العكس. كل جانب لديه من الأدوات التي يستطيع أن يضغط بها على الآخر. المحاصر الرئيسي في هذه المعادلة هو المجتمع الدولي، الذي أصبح أسيرا لرغبات وتطلعات وطموحات الرئيس ترامب والحرس الثوري في إيران. عليه أن يتحمل جزءا كبيرا من تكاليف الحرب المفتوحة بين واشنطن وطهران، وما سوف يتمخض عنها من نتائج.
الانسداد المستمر بين الولايات المتحدة وإيران له توابع خطيرة على منطقة الخليج العربي. الدول التي تقف في صف الاجهاز على إيران لضمان تلاشي التهديد مستقبلا، وتلك التي تريد تفاهمات توفر نوعا من الأمن والاستقرار، تنتظر المصير الذي سوف تنتهي إليه الحرب، وما إذا كان تفاوضيا ناعما أم عسكريا صارخا. وعلى أساسه يمكن التعرف على مكونات من طبيعة الترتيبات المنتظرة.
من الخطأ التعامل مع الحصار على أنه مرحلة وتنتهي. إيران تحاصر مضيق هرمز، والولايات المتحدة تحاصر هذا الحصار. الهدف من الأول خلق أمر واقع تستطيع بموجبه طهران فرض إرادتها السياسية والعسكرية والاقتصادية على المضيق، وتغيير الطبيعية الجيوستراتيجية بما يخدم مصالحها في المنطقة، ويردع واشنطن أو غيرها من التفكير في الاعتداء عليها في المستقبل.
يكمن الهدف من الحصار الثاني (الأميركي) في تفكيك الأول وتفريغه من مضامينه العامة التي تريد إيران تعويمها. يضاف إليها قدرا من الاستعراض الأميركي، الذي يمكن توظيفه إذا قرر الرئيس ترامب استئناف الحرب أو توجيه ضربات عسكرية على فترات متقطعة.
تأكيد أن المعدات والسفن والفرقاطات وحاملات الطائرات جاءت لأداء أكثر من مهمة في آن واحد. لن تغادر قبل الوفاء بالاسحقاقات التي حضرت من أجلها في مقدمتها إجبار إيران على الخضوع للمطالب الأميركية.
ما يفسر حيوية المهام التي يحملها الحصار الأميركي أن واشنطن تتعمد البحث عن ذرائع تبعدها عن التوقيع على اتفاق يؤدي إلى وقف الحرب أو التوصل إلى إطار عام بشأن هدنة تستمر نحو شهرين يمكن التفاوض خلالها على الملفات الخلافية الحادة. الأمر الذي ترد عليه إيران بمزيد من التشدد حول فرض قبضتها على مضيق هرمز، وعدم التفريط في ورقة لتخفيف الضغوط الواقعة عليها، أو على الأقل مساعدتها في تحدي الإدارة الأميركية والتلويح بقدرتها على خوض جولة عسكرية جديدة والاستفادة من دروس حربين سابقتين (يونيو/حزيران 2025، ونهاية فبراير/شباط الماضي).
قد تكون المعادلة الصفرية التي ظهرت في بداية الحرب تراجعت ملامحها مع وقف إطلاق النار في السابع من أبريل/نيسان المنصرم، لكن ما يجري الآن يشير إلى عودتها للواجهة. التمسك بالحصار المزدوج (الأميركي والإيراني) يؤكد أن كل طرف يريد أن يحقق كل أهدافه أو غالبيتها.
واشنطن لم تتخل عن مطلب إخضاع إيران لإرادتها العسكرية الكاملة، تمهيدا للوصول إلى مرحلة تنطوي على شكل من أشكال الاستسلام السياسي الذي يريده ترامب. وطهران تعتقد أنها أمام جائزة استراتيجية ثمينة تسعى للحصول عليها بسبب ما تراه تخبطا أو تعثرا في الإدارة الأميركية، ربما يفضي في النهاية إلى خلاصها من عقوبات متعددة ومركبة، كانت سيفا مسلّطا على رقبتها فترات طويلة.
الواضح أن كل جانب يحاصر الآخر. هذه واحدة من الظواهر الماثلة أمامنا، يصعب القطع بأنها تقود إلى تحقيق المكاسب التي تريدها واشنطن أو طهران. هذا نوع من الحروب الدولية متشابك وتشارك فيه قوى مختلفة. ليس بالضرورة أن تكون جميعها ظاهرة في الصورة. هناك قوى تعلن عن مواقفها بوضوح، وثانية لا تعلن (خفية)، وثالثة محايدة، لكنها تتمنى ترجيح كفة طرف على حساب آخر بما يخدم مصالحها.
إذا جرى مد الخيط على استقامته، يمكن القول إن الحصار متعدد الأوجه. لا يقتصر على الولايات المتحدة وإيران. الدول التي تقف في صف الأولى تشاركها الفكرة، وإن كبدتها خسائر في الوقت الراهن.
حصار إيران جزء من المنظومة التي دفعت الولايات المتحدة إلى خوض حرب لم تتمكن من إنجاز مهمتها في الضربات الأولى. في التفسير الأميركي أيضا هو رد على حصار إيران لمضيق هرمز، اكتشفت طهران أنه أشبه بقنبلة نووية رجّت أركان اقتصادية في كثير من الدول، لها مؤيدون ولها معارضون.
يرى الفريق الأول (المؤيدون) أن حصار المضيق يهز صورة الولايات المتحدة. هرمز كان يعمل بأريحية قبل الحرب ولم تكن عملية فرض رسوم مطروقة على نطاق واسع، بالتالي تتحمل واشنطن مسؤولية الغلق وتعديل الآلية التي يعمل بها، حصارها البحري قد لا يحل هذه الإشكالية، بل يزيد من المأزق العالمي مع تمسك واشنطن بعدم التخلي عنه، أو ربطه بتقديم طهران تنازلات ملموسة في قضايا مختلف حولها.
تضع هذه المسألة العربة أمام الحصان، وتطيل عمر التجاذبات العامة، وتجعل التوافق أمرا شبه مستحيل بين الجانبين، بما يعيد شبح الحرب فوق الخليج العربي، ويحشر الولايات المتحدة في مكان أشد ضيقا من الناحية الاستراتيجية.
يرى المعارضون لحصار إيران لمضيق هرمز أنها حفرت قبرها بيديها. خففت الخطوة من التباينات بين الولايات المتحدة ودول أوروبا التي ظهرت مع اندلاع الحرب. خلقت مساحة مشتركة للتقارب بين الجانبين لاستهداف إيران.
مهما كانت مناورات طهران لتنسيق مرور سفن ومنع أخرى، فعواقبها غير مضمونة، حيث تخلق انتقائية قد ترتد إلى صدرها. الدول التي تمر سفنها سيفهم أنها متواطئة أو متعاونة مع إيران.
الدول التي تُمنع سفنها سيُفهم أنها تقف في صف المعسكر الأميركي. تظل الإجابة عن سؤال من يحاصر من في الخليج العربي بحاجة إلى مزيد من الوقت لمعرفة شكل النهاية التي سوف تصل إليها الحرب الإيرانية.