منظومة الأمن والسوشيال ميديا في مصر
القاهرة- قد يبدو العنوان غريبا بعض الشيء، لكن عند معرفة حيثياته الحقيقية في مصر ستتلاشى الغرابة سريعا، حيث تؤثر وسائل التواصل الاجتماعي (سوشيال ميديا) على كثير من مناحي الحياة في العالم. لها مميزات وعيوب، فوائد وأضرار. تشبه السكين التي يمكن أن يُذبح بها حيوان أو إنسان.
بالتالي من الصعب تجاهل الدور الذي تلعبه في تشكيل وعي وعقل الكثير من المجتمعات. تحدد طريقة التعامل معها الشكل الذي يمكن أن تصبح عليه مستقبلا. لم يعد من المقبول تركها "سداح مداح" وفقا للمثل الشعبي المصري، أي بلا ضوابط وقيود وآليات تنظم عملها وهو ما يفسر اتجاه بعض الدول إلى تقنين أوضاع السوشيال ميديا، والحد من انتشار تطبيقات وألعاب تكنولوجية تؤثر على الأطفال.
في مصر، عملت وزارة الداخلية على الاستفادة من السوشيال ميديا في الكشف عن جرائم تحرش وسرقة ودحض شائعات. قبل يومين انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي صورة ملابس معلقة أسفل سطح جسر مرتفع بمحافظة الإسماعيلية الواقعة على قناة السويس بشرق القاهرة. قيل إنها تعود إلى أسرة مصرية فقيرة تارة، وأجنبية تارة أخرى، تعيش في هذا المكان المعلّق.
دارت حول الصورة مناكفات وحورات ونقاشات. جميعها تضع المسؤولية على عاتق أجهزة الدولة المصرية، بزعم أنها تراخت في منع هذا النوع من المظاهر غير الحضارية وتهاونت في وضع حد للفوضى المجتمعية.
اُتخذت الصورة ذريعة للهجوم على لاجئين ومقيمين من إحدى الدول العربية، بينما أشار رواد ونشطاء على السوشيال ميديا إلى أن الصورة لأسرة تنتمي إلى هذه الدولة.
أثبتت تحقيقات تقنية أجرتها وزارة الداخلية أن موقع الصورة إحدى الدول الأفريقية. جرى التداول في مصر لإحداث فتنة بين الحكومة والمواطنين، تم توظيفها من أجل إدانة أجهزة الدولة والإيحاء بتقاعسها. لم يحظ التصحيح السريع بالقدر الكافي من الاهتمام الذي حظي به النشر الغامض في المرة الأولى وهو أمر طبيعي. الجمهور يذهب نحو الأشياء المثيرة ولا يميل إلى معرفة الحقيقة.
يمكن أن نتخذ من هذا الموقف مؤشرا على مساحة الفوضى التي تتسبب فيها السوشيال ميديا داخل مصر. يمكن أيضا النظر إلى تجربة وزارة الداخلية على أنها رائدة في التصدي للأكاذيب التي تنتشر عن قصد أو جهل ومع الشائعات كأداة سياسية في يد بعض قوى المعارضة لإحراج الحكومة وقصف أجهزتها والاضرار بجبهتها المجتمعية. الأهم أن التصدي تحول إلى وسيلة لتعزيز الأمن في البلاد بعد اتساع دور المنصات في متابعة تصرفات المجرمين.
أصبحت صفحة وزارة الداخلية على فيسبوك هدفا مزدوجا لشريحة كبيرة من المصريين. تستخدم لإرسال شكاوى إليها مدعمة بصور وفيديوهات حول تحرش شخص بفتاة في الشارع أو حافلة مواصلات عامة. خطف طفل من مستشفى أو من حضن أمه. كما تستخدم في الكشف عن جرائم عديدة ومعرفة هوية مرتكبيها. ومن خلال تتبع مصادر الصور نجحت وزارة الداخلية في فك ألغاز كثير من الأحداث مؤخرا.
زادت جاذبية التجربة مع مناشدة وزارة الداخلية المواطنين مدها بالصور والفيديوهات والمعلومات اللازمة على حساباتها على مواقع التواصل الاجتماعي. جاءت حصيلة التجاوب لافتة بعد أن شاهد الناس خطوت ملموسة في ملاحقة المجرمين والقبض عليهم وفضهحم أمام الرأي العام.
أشاعت هذه الوسيلة جوا من الثقة في أجهزة الأمن، وأسهمت في ردع من يفكرون في ارتكاب الجريمة. بدت هناك حالة ثقة متبادلة بين وزارة الداخلية وفئة من المواطنين ترفض انتشار الظواهر السلبية في المجتمع.
مع كل صورة تنشر لمجرم أو فيديو يذاع لمتحرش ينتاب الناس يقين بأن وزارة الداخلية ستولي كلاهما اهتماما كبيرا. ستتمكن من التعرف على اسم صاحبه/ صاحبته ومحاسبته/ محاسبتها. بهذه الطريقة نشأت علاقة متوازنة بين أجهزة الأمن والمواطنين. على عكس ما كان سائدا من هواجس شعبية. خلق ارتفاع منسوب الثقة حالة خاصة بين الجانبين. أثمرت نتائجها في الاستفادة من مواقع التواصل في مكافحة الجريمة بأشكال مختلفة، مع سرعة فائقة في معاقبة الجناة.
تستطيع السوشيال ميديا أن تكون وسيلة جيدة لدعم دور الإعلام وحفظ الاستقرار في المجتمع عندما يُحسن التعامل معها. ظهرت تجليات هذا الأمر مؤخرا. نجحت منظومة الأمن والعدالة في مصر، ممثلة في وزارة الداخلية، وزارة العدل، ومكتب النائب العام، في تعظيم الاستفادة العامة من السوشيال ميديا واستغلال بعض المنصات في تلقي شكاوى من المواطنين والتحقيق فيها سريعا، واتخاذ الإجراءات الرسمية التي توفر الطمأنينة للناس، ما ضاعف الثقة في الأداء الأمني لأجهزة الدولة المصرية.
يعكس انشغال كثيرين بمتابعة صفحات منظومة الأمن والعدالة بمصر حجم الدور الذي تلعبه عندما ينسجم مع التطورات التكنولوجية. إذا كانت هناك شكوك في تأثير السوشيال ميديا على أخلاقيات المجتمع، توجد ثقة في إمكانية الحد منها عبر الرؤية الأمنية الدقيقة التي حوّلت العملية إلى أداة مفيدة في مجال مكافحة الجريمة، خاصة في الأماكن العامة التي تنتشر في ربوعها الكاميرات وتتيح فرصة لمواطنين لالتقاط صور تسهّل العثور على من ارتكبوا أفعالا يُعاقب عليها القانون.
تؤكد الأحداث التي وقعت في الشارع المصري وتمكنت الأجهزة الأمنية من تفكيك تعقيداتها، الأهمية التي تنطوي عليها السوشيال ميديا حاليا، وما يمكن أن تحدثه من آثار جيدة في المجتمع على خلاف ما يتم الترويج له من آثار سلبية على طول الخط. العبرة في شكل الوظيفة التي تقوم بها، وطبيعة الهدف المرجو الوصول إليه.
يبدو الوضع إيجابيا للغاية في حالة منظومة الأمن والعدالة بمصر وفي حالة السباق على الترند القاتم ونشر الفجور السافر واستخدام ألفاظ خارجة على القانون، تتعامل وزارة الداخلية بجدية مع الشكاوى التي تتلقاها يوميا.
كم من مطرب شعبي وراقصة مجهولة وممثلة مغمورة استخدموا إيحاءات جنسية وجرت ملاحقتهم أمنيا بسبب صور وفيديوهات وصلت إلى منصات وزارة الداخلية عن طريق مواطنين تضرروا من كلمات ومشاهد راجت على مواقع التواصل الاجتماعي؟
العلاقة بين الأمن والسوشيال ميديا قوية في مصر، لا توجد أرقام رسمية حتى الآن حول عدد الجرائم التي تم التحقيق فيها بسبب ما تلقته المنصات ومستوى البراءة والإدانة فيها.
لكن السياق العام يقول إن النسبة ليست هينة. يوميا تنشر وزارة الداخلية صورا حول بلاغات تلقتها عبر منصاتها وتابعت أطرافها، منها ما ثبت صحته واقتيد أصحابه إلى السجن، ومنها ما تبين أنه في عداد الشائعات الرامية للاضرار بالدولة. في الحالتين، صارت متلازمة الأمن والسوشيال ميديا تحظى باهتمام متزايد في مصر.