زيارة عون لمسقط تفتح باب وساطة عُمانية في ملف سلاح حزب الله
مسقط - في زيارة تحمل دلالات تتجاوز الطابع البروتوكولي، حلّ الرئيس اللبناني جوزيف عون في مسقط حيث استقبله سلطان عُمان هيثم بن طارق في لقاءٍ وُصف بأنه "هادئ في الشكل، عميق في المضمون". وعلى الرغم من أن دوائر الرئاسة اللبنانية أبقت التفاصيل في حدود العموميات المتعارف عليها، فإن السياق الإقليمي الدقيق، والتوقيت المتزامن مع تحولات جذرية في لبنان وما حوله، عزّزا الانطباع بأن الزيارة تتجاوز تبادل المجاملات الدبلوماسية إلى البحث في واحدة من أكثر الملفات حساسية في الشرق الأوسط: ملف سلاح حزب الله وإمكانات ضبط نفوذ الحزب بعد التطورات الدراماتيكية التي شهدتها المنطقة منذ اندلاع الحرب بين الحزب وإسرائيل.
تاريخيًا، تجنّبت عُمان الانخراط في التوترات اللبنانية الداخلية، واكتفت بدور بعيد عن المحاور المتصارعة، لكن السنوات الأخيرة رسّخت صورتها كقوة هادئة وموثوقة في الوساطة، قادرة على التواصل مع أطراف متخاصمة دون إثارة حساسيات سياسية. فقد نجحت في لعب أدوار محورية في ملفات إقليمية معقدة، بدءًا بالمفاوضات النووية الإيرانية، مرورًا بقنوات خلفية حساسة بين طهران وواشنطن، وصولًا إلى تسهيل تفاهمات في ملفات إقليمية أخرى شهدت استعصاءً طويلًا على الحل. هذه الخبرة جعلت عمان جهة تلقى قبولًا لدى إيران، وبالتالي لدى حزب الله، وهي نقطة محورية في أي محاولة لإعادة ترتيب التوازن الداخلي اللبناني.
انطلاقًا من هذا الواقع، تتداول دوائر سياسية لبنانية فرضية أن زيارة عون إلى مسقط قد تكون خطوة استكشافية لطلب تدخل عُماني غير معلن، يُسهِم في فتح باب حوار حول مستقبل سلاح حزب الله، أو على الأقل في ضبط الانفلات الأمني والسياسي الذي تفاقم خلال الأشهر الأخيرة، بعدما دفعت الحرب بين الحزب وإسرائيل إلى اهتزاز غير مسبوق في موقع الحزب السياسي والعسكري داخل لبنان. فالعمليات الميدانية الواسعة، والخسائر القيادية التي تعرّض لها الحزب، وتراجع مستوى الغطاء الشعبي، إضافة إلى الأعباء الاقتصادية والاجتماعية في بيئته، كلها عناصر دفعت خصومه وحتى بعض حلفائه إلى القول إن "ما بعد الحرب لن يكون كما قبلها".
ومع انتهاء موجة المواجهات وتراجع زخمها، وجدت بيروت نفسها أمام معادلة جديدة: حزب الله الذي كان لسنوات يحظى بموقع متقدّم في تحديد اتجاهات السياسة اللبنانية، لم يعد قادرًا على فرض إيقاعه كما في السابق، بينما الدولة اللبنانية — المنهارة اقتصاديًا والسياسية المحتقنة — تبدو في أمسّ الحاجة إلى استعادة الحد الأدنى من الاستقرار. من هنا، تبدو عُمان خيارًا منطقيًا لمسعى غير معلن نحو إعادة فتح الملف الذي كان محرّمًا لعقود: تنظيم دور حزب الله ومستقبل سلاحه ضمن صيغة تحفظ ماء وجهه، وتمنع انهيار الدولة، وتقي لبنان سيناريوهات الفوضى التي بدأت تلوح في الأفق.
وبحسب مصادر لبنانية مطّلعة، فإن الرئيس جوزيف عون، الذي وصل إلى الرئاسة بتوافق هشّ، يدرك أن موقعه يتطلب تحريك المياه الراكدة دون صدامات مباشرة. فالرجل الذي حافظ على علاقات متوازنة مع مختلف القوى خلال قيادته للجيش، يعرف أيضًا أن الجيش لا يمكن أن يتحمّل وحده تبعات إدارة الأمن الداخلي أو مواجهة الانفلات، خصوصًا في ظل الضغوط الاقتصادية ونقص التجهيزات. لذلك، فإن البحث عن تسوية إقليمية تُمهِّد لإعادة ضبط دور الحزب قد يكون السبيل الوحيد لإنقاذ ما تبقى من الدولة اللبنانية.
في هذا السياق، لا تبدو مسقط بعيدة عن الملف اللبناني كما قد يعتقد البعض. فعُمان تملك علاقة متينة مع إيران، وفي الوقت ذاته تحظى باحترام خليجي ودولي، ما يجعلها وسيطًا قادراً على تقديم ضمانات وإعادة بناء جسور التواصل. كما أن حيادها التاريخي تجاه الملفات اللبنانية يمنحها مصداقية إضافية، فالطرف الذي يدخل على الخط من خارج الاصطفافات التقليدية يكون غالبًا أكثر قدرة على اقتراح حلول أو تمرير رسائل دون أن يُنظر إليه كممثل لمحور معيّن.
أما على مستوى التحولات الإقليمية، فإن لبنان يواجه اليوم بيئة جيوسياسية مغايرة تمامًا لما اعتاد عليه. فالحرب الأخيرة بين حزب الله وإسرائيل، التي وُصفت بأنها الأكبر منذ 2006، أدت إلى إضعاف البنية الاستراتيجية للحزب، وإلى تراجع موقعه في المعادلة الإقليمية، حيث انشغلت إيران بملفات داخلية وخارجية أثقلت كاهلها، فيما قلّصت الحرب قدرة الحزب على الاستمرار في لعب دور "الذراع الإقليمية" كما كان في العقدين الماضيين. كل ذلك يجعل من لحظة 2025–2026 لحظة مفصلية لإعادة رسم قواعد اللعبة اللبنانية — سواء بوساطة، أو بضغوط، أو بتفاهمات جديدة.
وعليه، فإن زيارة الرئيس اللبناني إلى مسقط تبدو جزءًا من محاولة لالتقاط فرصة سياسية نادرة: استثمار ضعف نفوذ الحزب لإطلاق مسار تدريجي يقود نحو تسوية تُدخل سلاح الحزب تحت إطار الدولة، أو على الأقل تحدّ من استخدامه في الداخل. ومع إدراك الأطراف اللبنانية أن أي حلّ لا يمكن أن ينجح دون رضى بيئة الحزب ودون تفاهم ضمني مع إيران، يصبح الدور العُماني المحتمل عنصرًا مهمًّا في رسم ملامح المرحلة المقبلة.
ومع أن الطريق ما زال طويلًا، فإن الزيارة تحمل في طياتها إشارة واضحة إلى أن لبنان بدأ يفتح باب الخيارات خارج دائرة الجمود، وأن الدولة — ولو بعد تأخير — بدأت تبحث عن مخارج واقعية تساعدها على الخروج من العقدة الأكثر تعقيدًا في توازناتها الداخلية. وفي حال نجحت مسقط في تقريب وجهات النظر، فقد يشكل ذلك أول خطوة في مسار إعادة لبنان إلى الاستقرار، عبر مقاربة تحفظ توازنات الداخل وتحمي في الوقت ذاته ماء وجه الحزب الذي لا تزال معادلة القوة في لبنان مرتبطة به إلى حد بعيد.