سنكون مرضى من أجل أن نخدع المرض
في الوصفة الجاهزة لعالم اليوم هناك مَن تحدث عن ايجابية أن يشعر سكان الكوكب كلهم بأنهم مرضى. ذلك ما يحقق هدف العزل أو الحجر ويمنع انتشار العدوى في محاولة لاحتواء الفايروس القاتل.
لم يحن بعد موعد الاجهاز على ذلك العدو اللامرئي.
المسافة المطلوبة متران أو أكثر. بين وجهين متقابلين. أو بين الوجه والقفا. لا فرق. فالحقائق كلها تصب في المرض والثقة به والتثبت من وجوده، سابقا وحاليا ولاحقا. والناس في ذلك أنواع. منهم مَن هو مصاب ولا يشعر أنه كذلك غير أنه منذور لنقل العدوى إلى سواه من الأصحاء ومنهم مَن تغزوه الأعراض كلها مرة واحدة فتهده ولا يجد مهربا منها إلا باللجوء إلى المستشفى ومنهم مَن يحجر على نفسه في خطوة استباقية وفي ظنه أن المرض يقف وراء الباب مثل لص مسلح.
احتفاء الجنس البشري بنفسه يتخطى كل تلك المواهب الشخصية.
فالمرض الذي يمكن أن يصيب ويزعج ويؤلم ويميت أي أحد، كان مناسبة للاستعراض الإنساني بكل أبعاده ومظاهره، السلبية والإيجابية. ظهر الإنسان على حقيقته ضعيفا، هشا، متهالكا، مرتابا ووحيدا. في المقابل ظهر المجتمع هو الآخر على حقيقته قويا، صلبا، متماسكا، وواثقا من نفسه.
كان الفايروس مناسبة لكي يتعرف كل إنسان على حقيقته. ليس المقصود هنا المعنويات بل طريقة النظر إلى الحياة باعتبارها مسرحا مشتركا، تتقاسم فيه المؤسسات الصغيرة والكبيرة الأدوار لكي يتمتع بالإثارة التي يتطلبها شعور الإنسان بتقدم أسباب الحياة على أسباب الموت.
"هنالك ما يستحق الحياة" على حد قول الشاعر محمود درويش.
من العائلة إلى المجتمع إلى الدولة امتد خيط الأمل في أن تتمكن البشرية من الانتصار على الفايروس الغامض. وبالرغم من أن أحدا لم يتحدث بيقين عن إمكانية العثور في وقت قريب على دواء يمكنه أن يشكل علاجا للمرض غير أن ثقة البشرية لم تتزعزع بالعلم.
صحيح أن العالم صار ضيقا وصار الحديث عن نقص في أجهزة التنفس مقبولا بحيث صار المرء يفكر بقيمة الاوكسجين الذي يتنفسه. سيكون عليه أن يشكر النبات. وصحيح أيضا أن هناك مَن صار يراهن على أن تستعيد المسافات هيبتها بعد أن توقفت حركة الطيران وهو ما يعيد الاعتبار إلى المشائين الذين يعتبرون الكيلومترات القليلة التي يمشونها انجازا شعريا، غير أن خيال البشر لن ينقطع عن خيال الطبيعة وهما يعملان في مختبر واحد من أجل الوصول إلى حل، سيكون في ما بعد أشبه بالبداهة بسبب سرعته في القضاء على المرض.
كل التقنيات التي يستعملها البشر بطريقة عادية كما لو أنها جزء من الاستحقاق الحياتي هي في حقيقتها معجزات توصل إليها الإنسان مستعينا بعبقرية خياله المتصلة بعبقرية خيال الطبيعة.
من عصر الكهرباء إلى عصر الانترنت تنوعت المعجزات البشرية.
ليس الإنسان بالكائن الذي يمكن صيده بيسر، بالرغم من أن الحروب وهي صناعة بشرية قد دمرت بطريقة لا أخلاقية ذلك الشرط العظيم. فإذا ما نظرنا إلى ما فعله الإنسان من أجل بناء حضارته عبر تاريخ وجوده على سطح هذا الكوكب لصغرت المتاحف في أعيننا. الإنسان كائن خارق وليس ذلك الحيوان السياسي سوى ذيل ضروري له.
لقد أخفت السياسة الوجه المضيء للبشرية. فالولايات المتحدة على سبيل المثال ليست ترامب ولا أعضاء الكونغرس. الولايات المتحدة هي جامعاتها ومراكز بحثها ومختبراتها وعلماؤها وأطباؤها وأدباؤها ومفكروها وتقنيوها وفلكيوها وفنانوها. ذلك يصح على دول عديدة في العالم.
لذلك يمكن القول إن معجزة القضاء على الفايروس اللعين ستكون بين الأيدي باعتبارها حدثا عاديا في وقت قريب. وفي انتظار تلك المعجزة سيكون مسليا أن نمثل دور المرضى لكي نخدع المرض.