'سواد الغيم' توليفة الفن والتكنولوجيا تهزم عجز السياسات في قابس

أغنية للشاعر التونسي حسان ثابت تمثّل نموذجا ناجحا لتكامل الفن البشري والذكاء الاصطناعي في تدويل الفجيعة البيئية للمنظقة ونضال حراك 'Stop Pollution'، متفوّقة بانتشارها الرقمي على عجز السياسات التقليدية.

لم تكن المؤتمرات الوطنية والدولية والندوات والبلاغات الحكومية يوما ترياقا شافيا لمرضى السموم، بل طالما ظلّت كلماتُها حبرا على ورق تذروه الرياح؛ ومن هذا المنطلق، هبّ الشاعر التونسي حسان ثابت، سليل محافظة قابس المختنقة، ليرفع عقيرته معلنا مظلمة مدينته بطريقة بكرٍ هزّت الأركان.

عبر مرثية شعريّة واصِبة وسمها بـ "سواد الغيم"، استحال الوجع اليومي الذي يجرعه أهالي الجنوب التونسي جراء النفث الكيميائي والصناعي لظى وفنّا عابرا للحدود والآفاق. بيد أن المفاجأة الآسرة في هذا الأثر لم تقتصر على بلاغة الكلم الصادق فحسب، بل تمثلت في تلك المصاهرة الرقمية العجيبة التي اتخذت من الذكاء الاصطناعي عازفا ومنشدا، ليتمخّض هذا التلاقح عن لحن شجِيّ سرى كالنار في الهشيم، وتصدّر منصات التواصل الاجتماعي لا سيما ''فيسبوك'' و"تيك توك"، مستقطبا أفئدة الملايين في تونس ومختلف أرجاء الوطن العربي. الأغنية تجاوزت الثلاثة ملايين مشاهدة على صفحة ''يوتيوب'' فقط، في حين تجاوزت هذا الرقم بكثير على ''تيك توك'' أين تداولها مؤثرون عربٌ وعبّروا عن اعجابهم الشديد بكلماتها متسائلين بشيء من السذاجة عن ''الصوت'' الذي يغني الكلمات التي مسّتهم..

صدى حراك يختنق..

إن هذه الأنشودة الحزينة لا يمكن فصلُها عن الأرومة النضالية الضاربة في عمق تربة قابس؛ فهي تجيء بمثابة امتداد طبيعي زمني وعاطفي لحراك "Stop Pollution" (يزي من التلوث) الفتيّ، الذي انبرى منذ سنوات كحركة مدنية عفوية تقضّ مضاجع الصمت المطبق على هذه الجريمة البيئية النكراء طوال تعاقب الحكومات منذ اندلاع ثورة شتاء 2011 في تونس. فعلى مدى عقود، ظلّ ذلك المركّب الكيميائي الجاثم بكلكله على صدر المدينة يمثل غولا حقيقيا يسمّم الأرض والبحر والسماء، ويترصّد الأرواح، إذ مسخ قابس وحوّلها من "جنة الأرض" وعروس الواحات البحرية الفريدة عالميا، إلى صقع خاوٍ ينخر السرطان عظام أهله، وتغص سماؤه بركام الفوسفوجبس والغازات الخانقة والمميتة.

وجاءت قريحة إبن هذه المنطقة المنكوبة حسان ثابت لتقدح شرارة هذا النضال المستعر من جديد، وتلخّص باللسان الدارج المكتنز أوجاع أجيال تعاقبت على مقارعة الضيم في الساحات، هاتفين بالحق في كرامة العيش ونقاء الهواء، لتغدو الأغنية بمثابة "بيان وثائقي" يخلد ملحمة الصمود ضد سحق الطبيعة وإبادة الحياة البحرية والواحية للمدينة.

مجاز النخلة الذبيحة

حين يُعمل المرء النظر في ثنايا "سواد الغيم"، يتبين له جليا أن الكاتب لم يغبش المعاني بتقريرية جافة، بل غمس ريشته في محابر الرموز المحلّية الفائقة الدلالة ليعرّي حجم الفجيعة التي ثار ضدها الأهالي:

حلكة الغمام: يغدو هذا التعبير الرمز البصري الحاضر للسموم الممتدة من مداخن الموت، والتي تحجب قرص الشمس وتكتم الأنفاس، حيث تجيء عبارات مثل "سواد الغيم غطى يومك" و"القلب محروق ثقيل النفس مخنوق" لتصف بدقة متناهية الحصار النفسي والجسدي الذي يطوّق سكّان تلك الربوع.

مرثية الجنة المفقودة: تنبثق غصة الواحة المستباحة التي كانت غيداء ملتفة الأغصان في قوله الباكي: "ذبلت نخلتك مات عرجونك" و"شاحت نشفت لعروق". تصوير آسر إن هو إلا تجسيد حي لموت النخيل الباسق واعتلال التربة بفعل قذف النفايات الكيميائية في اليمّ وفي البر.

جرعات الصبر المُرّ: يستبطن النص عقودا من التغافل الرسمي الممنهج، إذ غدا الناس هناك "صابر وكاتم كلمته في فمه" بينما الجرح المشترك "ينزف دمه"، مما جعل العمل يلامس شغاف القلوب كقضية حق وجودي لا تقبل المساومة.

سر ''السحر الرقمي''

لم يكن يدور في خلد أحد أن أثرا يتناول قضية بيئية رصينة ومثقلة بالهموم يمكن أن يستحيل "تريند" ترفيهيا يتبادله الشباب عبر الفضاء الافتراضي، بيد أن هذا الفوز الساحق نهض على ركائز أصيلة هي على غاية في الأهمية.

فقد استهلت الأغنية بصدق المنابت وعفوية الطرح، حيث صاغ الشاعر أوتار كلماته بنبرة حارة نبعت من تجرّع المعاناة في الغدو والرواح، والجمهور بطبعه ذو حاسة مدربة تفرّق بين النص التجاري المتصنّع وبين الآهة الصادقة التي تولد من رحم المعاناة الحقيقية -حتى وإن كانت آهة اصطناعية النطق والنبرة.

وتعاظم هذا الأثر بفضل عنصر الإدهاش التكنولوجي، إذ فتح إخراج الأغنية بقوالب لحنية وصوتية مصاغة عبر الذكاء الاصطناعي بابا مشرعا ومحفزا لجيل العصر الرقمي من خلال ما منحته هذه التقنية للعمل من توزيع موسيقي حديث ذي إيقاع يسهل علوقه بالآذان، كاسرا بذلك الصورة الرتيبة المألوفة عن الأغاني الملتزمة القديمة. وقد تلاقت هذه الحداثة الموسيقية مع طبيعة خوارزميات المنصات الحركية، لا سيما منصة "تيك توك" التي تعتمد بالأساس على اللقطات الخاطفة شديدة التأثير.

ولمّا كانت الجمل الموسيقية هنا مشحونة باللوعة كقوله "القلب محروق، ثقيل النفس مخنوق"، فقد تهافت عليها الرواد لتركيبها كخلفيات صوتية لصور وفيديوهات وثائقية تكشف سحب الدخان الحقيقية المنبعثة في سماء قابس، أو للتعبير عن مكامن الشجن والضيق الفردي. ولم يقف العمل عند حدود الجغرافيا، بل اتسم بالامتداد العروبي العابر للمحلية، فعلى الرغم من خصوصية المأساة، إلا أن معاني "الدنيا المسروقة" والجور البيئي والاجتماعي المتبدية في قوله "آه حق اضّنا مسروق"، جعلت الأغنية تتقاطع شجوا وشجاعة مع هموم شعوب عربية شتى تكابد التهميش وتئن تحت وطأة الأزمات المماثلة.

الفن في مقاومة الفناء

ترسم أغنية "سواد الغيم" للشاعر حسان ثابت لوحة جلية تؤكد أن الذكاء الاصطناعي لا يمثل حتما تهديدا للملكات الإبداعية البشرية، بل يمكنه أن يغدو بوقا جهورا يبعث الحياة ويسكب الروح في عروق الحراكات البيئية الواعية والقضايا العادلة. لقد أفلحت هذه الأنشودة الشجية في لفت الأنظار مجدداً وبقوة نحو المأساة المستمرة لـ''عاصمة الحناء والتاريخ''، محوّلةً سحابة الكيميائي السوداء التي تخنق قابس وجسدها الذابل، إلى غيمة فنية ممطرة تجوب الفضاء الافتراضي الفسيح، باحثة عن عدالة بيئية وإنصاف طال أمد انتظاره.