سينما النرجسية في المغرب أو حين يختار المخرج الاغتراب عن جمهوره
تبقى صناعة السينما أحد أبرز الفنون الجماهيرية التي تخاطب الوجدان الاجتماعي وتعبّر عن روح العصر، غير أنّ سؤال العلاقة بين المبدع والمتلقي ظلّ معلّقًا في فضاء الفن السابع، إذ نادرًا ما يسائل صانعو الأفلام المغاربة أنفسهم عن أسباب نجاح أو فشل أعمالهم في شباك التذاكر أو في وجدان الجمهور، وبين ما يُسمّى بـالنرجسية وجنون العظمة والاستعلاء الثقافي، إذ تتبدّى فجوة عميقة بين رؤية المخرج المغربي ووعي المتفرج، بينما غياب هذا الوعي التواصلي يشكّل معضلة نقدية تستحق الوقوف عندها، إذ إن الفن في جوهره يُنتج في حوار مع الجمهور، خاصة المغربي.
ويبدأ النقاد عادةً بتحليل التوتر القائم بين نية المخرج وحسّ المتلقي، إذ يُفترض في المخرج أن يعي أنّ السينما لم تكن يوما خطابًا أحاديًا، لأنها تفاعلاً حيًّا مع وعي المجتمع كحقيقة، لكنّ بعض المبدعين يتعاملون مع العمل السينمائي بوصفه وسيلة لتكريس الذات وتفريغ الأمراض وتجاهل جوهر التواصل مع الغير، وتتولّد من هذه الرؤية نغمة نخبوية تُقصي المشاهد وتستبدله بمتلقٍّ مثالي لا وجود له، وهما يُختزل الجمهور في صورة الجاهل الذي لا يفهم، بدلاً من كونه شريكًا في التلقي والتأويل، ولقبوها بسينما النخبة.
ويتجاهل العديد من صُنّاع الأفلام المغربية طرح السؤال البديهي: لماذا ينجح فيلم بينما يفشل آخر؟
ويُعزى هذا التجاهل إلى اعتقاد راسخ بأن الفن لا يُقاس بمعايير السوق أو الإقبال، بينما النجاح الجماهيري لا يعني بالضرورة السطحية، كما أنّ الفشل لا يعني العمق. إنّ غياب هذه المراجعة الذاتية يجعل بعض المخرجين يعيشون في قوقعة جمالية مغلقة، وهنا تتكرّر التجارب الفاشلة دون إدراك أنّ العمل الفني فعل تواصلي بامتياز.
وتبرز الممارسة السينمائية المغربية الحديثة أنّ نرجسية بعض المخرجين باتت حاجزًا أمام الفهم الحقيقي للفن، بينما يظنّ المبدع أنّ رفض الجمهور لفيلمه دليل على تفوّقه لا على إخفاقه، وتتحوّل الذات المبدعة إلى مرجع مطلق يرفض المراجعة أو النقد، لأن هذه النرجسية تُنتج خطابًا فنيًا مغتربًا عن الواقع، حينما يتحول الفن إلى مرآة للأنا عوض نافذة على العالم، وبهذه الطريقة تتكرّس عزلة المخرج عن جمهوره في دائرة مغلقة من التبرير الذاتي.
ويقتضي الفن بوصفه خطابًا ثقافيًا، أن يكون موجَّهًا نحو المتلقي، حين يُفترض بالمخرج أن يسائل وعي الجمهور، لا أن ينفيه، فالتاريخ السينمائي يثبت أنّ أعظم الأعمال لم تتنازل عن عمقها لكنها لم تنفصل عن حسّ الناس، بينما يبقى احترام المتلقي ليس هو الانحدار بالخطاب، لانه يعني الإيمان بأن الجمال يمكن أن يكون مشتركًا، لذلك فإن تجاهل الجمهور هو تجاهل لشرط الوجود ذاته للفن الجماهيري.
ويُبرز تحليل الجمهور أنّ التلقي يبقى فعّالاً عندما يتفاعل المشاهد مع العمل بناءً على مرجعياته الثقافية والاجتماعية، وحين يُقصي المخرج هذه المرجعيات، يفقد العمل جذوره في الواقع، لهذا فإنّ الفشل يرتبط بمدى انسجام الفيلم مع السياق الثقافي، لان الفيلم الذي لا يتحدث بلغة الناس ولا يعبّر عن قضاياهم، يُحكم عليه بالعزلة مهما بلغت جودته التقنية.
وتفرض التجربة السينمائية مسؤولية أخلاقية وثقافية على الفنان، بينما يجب على المخرج أن يُدرك أنّ كل لقطة وكل حوار يحملان خطابًا يُساهم في تشكيل الوعي الاجتماعي، وحين تُغفل هذه المسؤولية يصبح الفن أداة للتعالي عوض نظرية الانوار التي يدعيها بعض صناع الافلام، والحقيقة ان نجاح الفيلم يُقاس بمدى قدرته على خلق حوار صادق مع جمهوره.
وتدعو الحاجة اليوم إلى وعي نقدي يوازن بين حرية الإبداع وضرورة التلقي، إذ يجب أن يُسائل صُنّاع الأفلام المغاربة أنفسهم: لمن نصنع هذا الفيلم؟ ولماذا؟ وهذه الأسئلة هي ضمان لاستمراره وتجدّده، فحين يتواضع المخرج أمام جمهوره، يستعيد الفن إنسانيته، وعندها فقط يمكن القول إن السينما تؤدي رسالتها الكبرى الموجهة للجمهور، لان صناعة الأفلام في الأخير تحكمها رسالة موجهة لعشاق السينما بالدرجة الأولى وليست فك عقدة اهواء المخرج وأمراضه النفسية واسقاطها على الأمة.