صبر الجهات المانحة ينفد إزاء عجز الجيش الصومالي أمام حركة الشباب

الحركة المتطرفة تستعيد حوالي 90 في المئة من الأراضي التي خسرتها، فيما تواجه الحكومة الصومالية تراجع الدعم الدولي وانهيار معنويات الجيش.

الصومال - يثير تقدم حركة الشباب التابعة لتنظيم القاعدة مخاوف من تفاقم الاضطرابات الأمنية في المنطقة، فيما بدأ صبر الجهات الدولية المانحة ينفد، في ظل انهيار الجيش الصومالي رغم الدعم الدولي الذي حصل عليه بمليارات الدولارات.

واستعاد عناصر حركة الشباب في السابع من يوليو/تموز بلدة موكوكري معتمدين على مئات المقاتلين ومركبة محمّلة بالمتفجرات استُخدمت لتنفيذ هجوم انتحاري، في آخر حلقة ضمن سلسلة الهزائم التي مُنيت بها الحكومة هذا العام.

ومنحتهم الخطوة موقعا جغرافيا إستراتيجيا لشن هجمات على منطقة هيران لكنها شكّلت أيضا انتصارا رمزيا قويا على ميليشيا محلية اعتُبرت "أفضل قوة مقاتلة" تابعة للحكومة في مواجهة حركة الشباب، بحسب عمر محمود من مجموعة الأزمات الدولية.

وتخوض مقديشو معارك ضد الجماعة الإسلامية منذ بدايات الألفية ومرّت بفترات شهدت فيها انتصارات وانتكاسات، لكنها حاليا تواجه وضعا صبعا يتمثّل بتراجع الدعم الدولي ومعنويات الجيش على حد سواء واقتتالات داخلية.

واعتمدت الحكومة على ميليشيات محلية تعرف باسم "ماكويسلي" في حملتها الناجحة خلال عامي 2022 و2023، إذ انتزعت نحو 200 بلدة وقرية من حركة الشباب.

لكن هجوم المتمرّدين المضاد هذا العام ساعدهم على استعادة حوالي 90 في المئة من أراضيهم التي خسروها، بحسب تقديرات رشيد عبدي من مركز "ساهان للبحوث".

وسقطت في أيدي الحركة بلدات كان يفترض أنها نماذج للاستقرار على غرار مساجد عالي غادود وأدان يابال كما تدمّرت ثلاثة جسور على نهر شبيلى تعد حيوية بالنسبة إلى خطوط الإمداد العسكري.

وقال عبدي إن "المنطقة بأكملها من شمال غرب حتى جنوب غرب مقديشو باتت حاليا خاضعة بمعظمها لسيطرة حركة الشباب"، مشيرا إلى أن "حملة "ماكويسلي" انهارت، نظرا إلى أن حكومة الرئيس حسن شيخ محمود تفتقر بشكل كبير إلى المهارة في التعامل مع القبائل إذ تدعم بعضها وتتجاهل أخرى بناء على المحسوبية السياسية لا الحاجات العسكرية''.

وأفاد عضو ميليشيا محلية في هيران يدعى محمد حسن بأن "التعبئة مضت بشكل جيد عندما قدم الرئيس من مقديشو لبدء المرحلة الأولى من الهجوم عام 2022. كان الجميع يشاركون بشكل كبير في القتال.. يساعدون الجيش الوطني".

وأضاف "لم يعد الأمر هكذا نظرا إلى أن القيادة لم تعد مهتمة ويبدو أن هناك سوء تنظيم في ما يتعلق بطريقة تعبئة الميليشيات المحلية".

ولم يقم الجيش بالكثير لضبط المتمرّدين، وهو أمر غير مفاجئ بالنسبة إلى قوة "ما زالت في مرحلة التطور بينما تحاول خوض حرب في الوقت ذاته"، بحسب المحلل محمود.

نحن أمام وضع قاتم جدا

وأضاف عبدي أن ذراعه الأكثر فعالية، وحدة "داناب" المدرّبة من الولايات المتحدة، أفضل في القضاء على المقاتلين من السيطرة على الأراضي بينما تعرّضت إلى خسائر في صفوف الضباط، موضحا "بدأنا نرى جيشا ليس غير فعّال فحسب، بل لم تعد لديه الرغبة في القتال".

وتنبع هذه المشاكل من حالة الفوضى الأوسع في المشهد السياسي الصومالي حيث لم تقد مجموعة المطالب المختلفة للقبائل قط إلى توافق وطني.

وتعهّدت الحكومة بتحرّك عسكري جديد، لكن الرئيس يركّز حاليا على إجراء أول انتخابات بالتصويت المباشر وفقا لمبدأ "شخص واحد، صوت واحد" العام المقبل.

وقال دبلوماسي غربي طلب عدم الكشف عن هويته إن ذلك "لن يحصل". وحتى في مقديشو، حيث تعد الإجراءات الأمنية مشددة أكثر، "يمكن لأي مركز اقتراع أن يتعرض لتفجير".

وصرح الرئيس السابق شريف شيخ أحمد لصحافيين مؤخرا بأنه "أمر مؤسف بأن الأنظار انصرفت باتّجاه مسائل غير مهمّة مرتبطة بالسياسة لا تساعد الأمن بدلا من التركيز على تعزيز القوات المسلحة".

ولم تطلق حركة الشباب هجوما كاملا على العاصمة، لكنها كشفت مرارا عن حضورها. وسجّل عدد قياسي من الطلقات العشوائية التي استهدفت المطار، بحسب الدبلوماسي، بينما نجا الرئيس من هجوم على موكبه خارج القصر الرئاسي في مارس/آذار، كما أن الحركة تسيطر على الجزء الأكبر من الاقتصاد.

وقال عبدي إن عائدات الجماعة المتطرفة "تتجاوز إيرادات الدولة إذ تمتد أذرعها التجارية في كل مكان.. إنها واحدة من حركات التمرّد الأكثر ثراء في إفريقيا".

وفي الأثناء، بدأ صبر داعمي الحكومي الخارجيين ينفد، حيث دفع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة أكثر من سبعة مليارات دولار على أمن الصومال، خصوصا على مختلف البعثات التي يقودها الاتحاد الإفريقي، منذ العام 2007، بحسب معهد الاتحاد الأوروبي للدراسات الأمنية.

وانتهت مهام القوة الافريقية في ديسمبر/كانون الأول، لكن تقرر استبدالها فورا بأخرى جديدة اسمها "بعثة الاتحاد الإفريقي لدعم وتحقيق الاستقرار في الصومال" (أوسوم)، نظرا إلى أن القوات الصومالية غير مستعدة بعد لتولي مهامها.

وقال الدبلوماسي "هناك كم كبير من الكلل في أوساط المانحين. يتساءل الناس: ما الذي حققناه خلال السنوات العشر الأخيرة؟. رؤية الجيش يهرب والاضطرار إلى إنشاء أوسوم كان أمرا صعبا حقا بالنسبة إلى الناس".

ويتردد المانحون، خصوصا واشنطن، في مواصلة تمويل بعثة الاتحاد الأوروبي. ويقدّر محمود من مجموعة الأزمات بأنها ستجمع بصعوبة ثلثي التمويل الذي تحتاج إليه للعام 2025 وهو "ما يكفي لإبقائها قائمة... لكن هناك عجز مزمن واضح".

وأبرمت الصومال اتفاقات مع شركاء أجدد مثل الإمارات وقطر ومصر. من جانبها، نشرت تركيا نحو 500 جندي مدعومين بمسيّرات، لتعزيز أمن مقديشو.

لكن محمود المحلل يؤكد أن هذه الجهات مهتمة بحماية الاستثمارات مثل مشروع تركي مقترح لإقامة منشأة لإطلاق الصواريخ إلى الفضاء، بدلا من مواجهة حركة الشباب، بينما يقول عبدي بدوره "نحن أمام وضع قاتم جدا".