صلاح فضل يحدد ثلاثة أساليب سردية في الرواية العربية

رؤية نقدية تقوم على فرضية أولية بوجود ثلاثة أساليب رئيسة في السرد العربي خاصة هي: الأسلوب الدرامي والأسلوب الغنائي والأسلوب السينمائي.


السرديات الحديثة استطاعت في العقود الثلاثة الماضية أن تؤسس معرفة متنامية ودقيقة بالنصوص السردية في تجلياتها المختلفة


دراسة أشكال الصيغ والكيفيات المختلفة لأنماط السرد وعمليات التركيب في أجرومية الرواية ووظائفها المختلفة


لغة السينما خلقت جمالياتها الجديدة التي أثرت الوعي النقدي

قدم الناقد الدكتور صلاح فضل في إطار تقديمه لكتابه "أساليب السرد في الرواية العربية" رؤية تقوم على فرضية أولية بوجود ثلاثة أساليب رئيسة في السرد العربي خاصة هي: الأسلوب الدرامي، الأسلوب الغنائي، والأسلوب السينمائي، ليتناول تطبيقيا بعد ذلك تحت كل أسلوب عددا من الأعمال الروائية فدراميا حلّل روايات "يوم مقتل الزعيم" لنجيب محفوظ، و"الولاعة" لحنا مينا، و"خالتي صفية والدير" لبهاء طاهر، وغنائيا أعمال "الآن هنا" لعبدالرحمن منيف، و"هاتف المغيب" لجمال الغيطاني، و"تجربة في العشق" للطاهر وطار، و"كناسة الدكانة" ليحيي حقي و"سرايا بنت الغول" لإميل حبيبي، وسينمائيا أعمال "وردية ليل"لإبراهيم أصلان، و"ذات" لصنع الله إبراهيم.
اعتبر صلاح فضل أن السرديات الحديثة من الدوائر اللافتة التـي تقترب عندها جملة البحوث النقدية من منطق الخطاب النقدي بمناهجه الحركية المضبوطة. وقال "استطاعت هذه السرديات في العقود الثلاثة الماضية فحسب أن تؤسس معرفة متنامية ودقيقة بالنصوص السردية في تجلياتها المختلفة، حتى غدت أنموذجاً مشجعا لما يسمى بعلـم الأدب في تشكله المتطور الدؤوب.. المتجدد بقدر ما ينبثق في المخيلة الإنسانية من إبداع.
وأضاف "ازدهرت البحوث التي تدور حول طبيعة المنظور السردي وأشكال الرؤية القصصية، وعمليات تكوين بؤرة السرد ومستوياتها وعناصر توجيهها. في تعالق متناغم مع البحوث التي تحلل تعدد الأصوات وعلاقتها بنوعية الضمائر ولغة الخطاب الروائي في حالات العرض والسرد، وارتباطها بقضايا مستويات الزمن القولي والتاريخي، وما ينجم عن تضافرها من إيقاعات متفاوتة وأساليب عديدة. 
وكما درست أشكال الصيغ والكيفيات المختلفة لأنماط السرد وعمليات التركيب في أجرومية الرواية ووظائفها المختلفة، مما عرضنا له بالتفصيل في دراستنا المحدثة عن"بلاغة الخطـاب وعلم النص" بما يعتبر تجاوز المنهج التحليل الفلسفي والبنيـوي ويمهد لمقاربة عملية نصية تطبيقية بعد عـرض المحددات النظرية الشاملة. ويهمنا الإشارة في هذا الصدد إلى أن المنظور السيمولوجي والنصي المحدث كان تنمية للاتجاهات السابقة عليه، وأنه أفاد بصفة خاصة من النقد المخصص للفنون البصرية الحركية - خاصة السينما - في ضبط مصطلحاته وقياس مسافاته وتحديد التقنيات الموظفة فيه".

لا توجد حدود فاصلة قاطعة بين هذه الأساليب، إذ تتداخل بعض عناصرها في كثير من الأحيان، ويختلف تقدير الأهمية المهيمنة من قراءة نقدية إلى أخرى، مما يجعل التصنيف غير مانع بالمفهوم المنطقي.

ورأى فضل أن لغة السينما بجدتها وحيويتها وعلاقتها بالزمان والمكان على أساس تجريبي مباشر، وما يتخللها من عمليات تركيـب ومونتاج، وعنايتها بالتمفصلات السردية قد خلقت جمالياتها الجديدة التي أثرت الوعي النقدي، وساعدته في اكتشاف أدوات تقنية محدثة لتحليل نظم السرد وكيفياته العديدة. 
وقال: "إذا انتقلنا من أفق النظرية السردية بتفصيلاتها الغنية إلى بحث كيفية تشغيل أجهزتها وتطبيقها على النصوص الروائية المحددة، واجهتنا بعض الأسئلة المعلقة التي نقف منها عند أمرين فحسب: أحدهما: هل الأفضل أن نقوم بتطبيـق هذه المفاهيم بطريقة آلية - على جميع ما نتناوله من نصوص سردية، فنحيلها إلى عدد من الرسوم والجداول البيانية المجافية بطبيعتها للحس الفني والتذوق النقدي لألوان الشعرية المتفاوتة؟ أم نقصر هذا النوع من البحث المنهجي التجريبي على الدوائر الأكاديمية والجامعية، لتكوين قاعدة معرفية صلبة، تنطلق منهـا وعلى هديها الممارسات النقدية العامة التي لا تفقد بهجـة المصاحبة الحميمة للنصوص بمنطلق الأدب ولغته الأثيرة. فتظل الدراسات الجامعية "معامل" لتكوين الأطر والنماذج الطليعية في المعرفة، مهما كانت دوائرها مقصورة على المتخصصين فحسب، تزود الحياة الثقافية والنقدية بنتائج بحوثها التي تستحضرها الدراسات المستبصرة، دون أن تحمل أجهزتها ومعادلاتهـا المطولة، أو تخرج على منطقها العلمي الصحيح. فهي تتراءى بروحهـا المنهجي في جملة الكتابات النقدية العامة التي تفيد من منجزات البحوث التجريبية وتتخفف من مصطلحاتها وتفصيلاتها التقنية. 
بهذا تتعدد السبل دون أن تتبدد الجهود، وتتآزر حركة العلم في مركزه ومحيطه، ويتسق نمط المعرفـة في مستويات الأداء المختلفة. وبهذا يمكننا أن نحل إشكالية صعوبة لغة النقـد الحديث واستعصائه على القارئ العادي بتوزيع الوظائف الطليعية التجريبية على المجال الأكاديمي والتطبيقية الموجهة على النطاق الثقافي العام.
أما السؤال الثاني فهو عن مدى إمكانية الإفادة من هذا الحصاد المعرفي الجديد في جملته للكشف عن بعض الوسائل العملية التداولية لتحديد الفروق النوعية بين أشكال الروايـة المختلفة، على أسس تقنية جمالية، تتجاوز ما ألفناه من تصنيفات مذهبية أصبحت قاصرة.
وأكد د. صلاح فضل أنه لم يعد بوسع النقد المعاصر أن يتحدث عن المادة القصصية اعتمادا على مضمون الخطاب السردي وتوجهاته المذهبية، فقد انتهت سيادة الأيديولوجيا وشعاراتها القديمة. ولم تعد النوايـا الطيبة هي التي تحدد مستويات الأعمال ودرجة أهميتها وقد اتضح أن مستويات التوظيف تـرتبط بالإنجـازات التقنية والجمالية. ودخلت علوم اللغة بصـرفها ونحوهـا ودلالتها، ومباحث الأسلوب بإشكالياتها المتعددة وأدواتها الإجرائية، ثـم علم النص بما أسفر عنه من طرق تحليلية للأبنية الصغرى والكبرى وكيفية تراتبها، جاءت كل هذه العلوم لتصنع خرائط جديدة للحقول الإبداعية، واستحدثت معها مصطلحاتها وآلياتها. وقامت السيميولوجيا عن طريق تنظيم مجالات الإشارات وترابطاتها الرمزية بالتوسط لفض إشكالية التعارض المزعـوم بين البنية المنبثقة والسياق العام للنص. 

غلاف الكتاب
نقد السرديات العربية

وتساءل: هل يمكن لنا أن نستخلص من جملة المعارف التقنية في السرديات عدداً من المؤشرات الدالة، يسمح لنا بإقامة تصنيف نوعي جديد، يتيح لنا رصد ما يسمى بالأساليب السردية؟ وقال "أحسب أن هذه المحاولة التركيبية - على صعوبتها - تستحق الاجتراح والمجازفة. كما أظن أن الوسيلة التي تؤدي لإنجازها لا بد أن تنتقل من مرحلة التنظير وتأليف الطرق والمناهج للشطر الثاني من العملية الجدلية المتمثلة في التطبيـق العملي على نصوص بعينها عبر الإنتاج الروائي في ثقافة محددة، حيث يمكن تشغيل آليات القراءة والتأويل والتصنيف، ومقاربة الإبداع بحس تركيبي أيضا يبتعد عن الحرفية المدرسية فـي تشغيل المفاهيم، محاولا الإنصات لإيقاع النص الحميم واكتشاف خصوصيته في الوقت الذي يمسك فيه بخواصه النوعية التي تجمعه مع غيره في أسلوب واحد.
وأشار إلى أن قراءة عدد يسير من الروايـات العربيـة التـي صدرت في الآونة الأخيرة، والموزعة على مختلف مناطق العالم العربي بقدر ما تسمح به ظروف التواصل فـي النشـر والتسويق، دون عناية بالتمثيل الجغرافي المحدد، أدت إلى تبلور بعض الملامح المميزة لثلاثة أساليب رئيسية في السرد العربـي المعاصر، ترتكز على شكل التوافق بين ثلاث مجموعات ثنائية من العناصر الروائية هي الإيقاع والمادة والرؤية. 
وأوضح أن الإيقاع هو ناجم عن حركتي الزمان والمكان أساسا، كما أن المادة تتمثل فـي حجم الرواية، أي امتدادها الكتابي من ناحية، وطبيعة لغتها من ناحية ثانية. بينما تبرز الرؤية من خلال كيفية عمل الراوي وتوجيه المنظور. وأهم خاصية لهذا الطرح هو التعالق والتراتب، فالفصل بين تلك الوحدات إنما هو مجرد إجراء تحليلي يضع في اعتباره أصلا طبيعة تداخلها. فالزمان والمكان يتمثلان فـي مادة الرواية وحجمهـا: والراوي لا يمكن تحديد موقعه ولا منظوره إلا عبـر المادة المقدمة، والمنظور يرتبط جذريا بحركة اللغة والحوار وهكـذا.
وقدم فضل اقتراحا بفرضية أولية بوجود ثلاثة أساليب رئيسية في السرد العربي خاصة هي:
الأسلوب الدرامي: ويسيطر فيه الإيقاع بمستوياته المتعددة من زمانية ومكانية منتظمة، ثم يعقبه في الأهمية المنظور وتأتي بعده المادة.
الأسلوب الغنائي: وتصبح الغلبة فيه للمادة المقدمة في السرد حيـث تتسق أجزاؤها في نمط أحادي يخلو من توتر الصراع، ثم يعقبها في الأهمية المنظور والإيقاع.
الأسلوب السينمائي: ويفرض فيه المنظور سيادته على ما سواه مـن ثنائيات، ويأتي بعده في الأهمية الإيقاع والمادة.
وقال مع أنه لا توجد حدود فاصلة قاطعة بين هذه الأساليب، إذ تتداخل بعض عناصرها في كثير من الأحيان، ويختلف تقدير الأهمية المهيمنة من قراءة نقدية إلى أخرى، مما يجعل التصنيف غير مانع بالمفهوم المنطقي. كما أن هناك بعض الخواص التي يمكن أن تخـرج على العناصر الملاحظة في هذا التصنيف، وتتوزع بشكل ما على بعض مناطقه، مما قد يوهم بتكوين أسلوبي مخالف. وذلك مثل الصبغة الملحمية المتجسدة في عدد من الروايـات العربية والناجمة على وجه الخصوص من نفس هيمنة المادة الروائية على العناصر الأخرى، مما يجعلها شديدة القرب من الأسـلوب الغنائي. وإن كان يترتب على ذلك ألا يكون هذا التصنيف مانعا أيضا. نقول إنه بالرغم من كل تلك التحفظات وغيرها مما يمكن أن يسفر عنه التأمل النقدي، فإنه يمثل في تقديري محاولة أولية تنمو إلى تمثيل الواقع الإبداعي المتحرك والتعبير التقني عـن خصائصه السائدة.
ولفت د. فضل إلى إن الفكرة المحورية في هذا التصنيف تقوم على سلم قياس متدرج ومتراتب من عناصر السرد وفق نموذج مركب من عدد من التقنيات الفنية التي يتم شرحها بمناسبة كل عمل إبداعي تطبيقا. والذي يحدد طابع كل رواية إنما هي العناصر المهيمنة على ما سواها، فكل رواية تتضمن قدرا من الدرامية والغنائية الذاتية أو الملحمية والسينمائية، لكن تفاوت النسب، وتراتبها، ومستويات توظيفها في النص ككل هي التي تحدد موقعها. كما أن المقاربة النقدية لكل نص على حـدة تهدف إلى اكتشاف شعريته الخاصة وما يثيره من مجـالات تتجاوز نطاق العناصر الأسلوبية المعتمدة في هذا السلم: بحيث لا تصبح الدراسة جدولاً برهانيا لفرضية التصنيف، تعمي عما عداه من مناطق الإثارة الجمالية والدلالية في النص. أما فيما يتعلق بجملة الإنتاج الروائي لهؤلاء الكتاب أنفسهم أو لغيرهم ممن لم تتح لنا فرصة التوقف أمامهم، فإن البحـث التطبيقي وحده هو الذي يكشف عن مدى التزامهم بأسـلوب واحد أو تحركهم عبر أكثر من أسلوب في مسارهم الإبـداعي بأكمله بمراحله المختلفة، مما لا يمكن الفصل فيه إلا بعد البحث التجريبي.