'طفولة ناقصة' عمل أدبي يحض القارئ على البحث

الفنان التشكيلي والقاص محمد الجالوس يوقع روايته في المتحف الوطني الأردني للفنون الجميلة.

احتفى المتحف الوطني الأردني للفنون الجميلة ودار الأهلية للنشر والتوزيع، في عمان، ووسط حضور لافت من المثقفين والفنانين والإعلاميين بتوقيع المنجز الروائي الأول للفنان التشكيلي والقاص محمد الجالوس "طفولة ناقصة"، الصادر عن دار الأهلية، وبمشاركة الشاعر زهير أبوشايب والناقد فخري صالح.

وأكد أبوشايب خلال تقديمه أن رواية الجالوس عمل أدبي يغوص في هوامش المدينة، ويحض القارئ على البحث في المعاني والدلالات وليس فقط التوقف عند الأمكنة والشخصيات والأحداث.

وتابع "تشتغل هذه الرواية على انتشال جزء مهم من ذاكرة الهامش العمّانيّ يوشك أن يغرق في النسيان، وتطل على جسد المدينة من تلك النقطة النائية لترى ما لا يستطيع الحاضر أن يراه".

وبيّن أبوشايب بأن الجالوس اختار أن يرصد تجاور الهوامش في مدينة تتأهب لمغادرة طفولتها البريئة والتحوّل من قرية هي هامش بحد ذاتها إلى مدينة ضخمة تثقلها الهوامش، وكلما ازدادت نموًا ازدادت ذاكرتها ضعفًا وذبلت هوامشها. لقد ربطت الرواية بعفويّة وذكاء بين مخيّم النَوَر ومخيّم اللاجئين الفلسطينيّين، وسلطت الضوء على المساحات الحرّة الواسعة التي يوفَرها كلا الهامشين لأفرادهما، بالرغم مما يتعرّضان له من ضغط المتن وغلبته ومضايقاته.

الناقد فخري صالح من جهته ذكر أن الجالوس قداستلهم تجارب إبداعية عالمية اتكأت في مادتها الأولى على ذكريات الطفولة بكل ما تحمل من صور ومشاهد وتجارب بريئة.

وأضاف في كتابه "طفولة ناقصة" يطمح محمد الجالوس إلى استعادة ذكريات الطفولة، بأحلامها، وهواجسها، واستبهاماتها، وشواغلها، التي تحاول الذاكرة انتشالها، وربما إعادة تشكيلها، بعد سنوات طويلة، غابت فيها تلك الذكريات، وطمرتها مشاغل الحياة اليومية، والتحولات التي طرأت على مسار حياة الشخص الناضج الذي يروي عن الطفل الصغير فيه. وتبدو سن ما بين السابعة والتاسعة البؤرة التي يصوغ منها الكاتب شواغل الطفل، وهواجسه، وأحلام يقظته. ولربما تكون تلك المرحلة العمرية، التي اختارها الكاتب، ليبدأ سرده منها، تيمنًا بالكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز، الذي يخصُّه الكاتب بالمديح، ويسعى إلى التشبُّه به، لكون ماركيز يَعدُّ كلَّ ما أنجزه، تقريبًا، نتاجَ تلك المرحلة العمرية، التي تشكَّل فيها استكشافُه للعالم من حوله، وانفتاحُه على بئر الحكايات، التي كانت ترويها له جدته.. موضحا صالح أن الشيءُ نفسه، ونجده لدى محمد الجالوس الذي يعيدُ شغفَه بالحكايات، والمرويات الشعبية، إلى جدته لأمه، وكذلك إلى مرشد، الشخص المجهول الأصل، الذي كان يعمل مع والده في المزرعة. والسارد.

محمد

ويرى الناقد صالح في "طفولة ناقصة"، بأن الجالوس يفصح أنه لم يكن يملُّ، من الاستماع إلى حكاياته، وانتظار حلقاتها المتباعدة، إذ يغيب مرشد، أيامًا وأسابيع، ليعود ويستكمل حكاياته، من حيث انقطع.

وربط فخري صالح بين توجه الكاتب نحو توثيق حياة النور سردياً إلى نزوعه الدائم نحو الحرية، ومما قال في ذلك: لربما من هذا الشغف بالحكايات، والحيوات الغريبة، الفريدة من نوعها، للشخوص التي يحكي عنها كتاب "طفولة ناقصة"، خصوصًا ساكني مخيم الغجر، المجاور لمخيم الوحدات الفلسطيني، في أطراف عمان، خلال ستينيات القرن الماضي، تنبع خصوصية هذا العمل الذي يتأرجح، في تصنيفه، بين النوع الروائي، والسيرة الذاتية. 

ولفت النظر صالح حين قال: ثمَّة تركيزٌ شديد على تتبع حياة النَوَر وهم يشكلون طيفًا واسعًا من الأنماط البشرية، في هذا العمل، وسردٌ لحكاياتهم، وانشغالٌ شديدٌ من قبل الطفل السارد بكلِّ مفاصل حياتهم، أثناء رحلته اليومية إلى مدرسته الابتدائية، عابرًا مخيمهم، ومتطلعًا إلى معرفة ما يدور في خيامهم، وما يحكى ويُتداول، بين الناس، عن هذه المجموعة البشرية، التي يصفها الشخص الناضج، الذي آل إليه الطفل، بأنهم تجسيدٌ للحرية المطلقة، التي حلم الطفل ولربما الكاتب والفنان الذي صار إليه هذا الطفل في مقبل الأيام أن يقلدها.

ويذكر أن التشكيلي والقاص والروائي محمد الجالوس أصدر في القصة "ذاكرة رصيف" عام 1984 و"أصابع مليحة" عام 2018، والجالوس من جيل الثمانينات في الحركة التشكيلية الأردنية، وقد ترأس رابطة الفنانين التشكيليين الأردنيين ما بين عامي 2003-2004، وهو عضو في رابطة الكتاب الأردنيين منذ عام 1980، وقد فاز في العام 1979 بجائزة رابطة الكتاب الأردنيين في مجال القصة القصيرة للكتاب الشباب قبل على أثرها كأصغر الأعضاء سنا في الرابطة.

أقام الجالوس كرسام أكثر من 35 معرضا فرديا إلى جانب عشرات المشاركات الفنية حول العالم، وأقام في مدينة نيويورك ما بين 1992-1995، تقتني أعماله العديد من المتاحف العالمية أبرزها "ناموك" المتحف الوطني الصيني، وأكاديمية الرسم في طهران، ومتحف الفن الحديث في الكويت، والمتحف الوطني الأردني وغيرها.

 فاز الجالوس كرسام بالجائزة الأولى لبينالي طهران الثاني للرسم في العالم الإسلامي عام 2002، وفاز في مشروع طريق الحرير العالمي في الصين والمنظم من أكاديمية الرسم الوطنية في الصين ووزارة الثقافة الصينية في عام 2021، وحصل على جائزة الدولة للفنون من دولة فلسطين عام 2022.