ظاهرة مسرح النجم 'الملك لير الفخراني' أنموذجا

الممثلون في هذا العرض لم يكونوا تحت ورطة النجم/الظاهرة، بل برعوا كثيرا في التعبير عن طاقتهم التمثيلية المائزة.

يا لها من ورطة كبيرة، لأي ممثل مهما كان مستواه الأدائي أو شهرته الفنية، أن يقف ممثلا على خشبة المسرح - أقول في المسرح خاصة، لا السينما ولا التلفاز، وفي ذلك اختلافات واضحة لا داعي لشرحها فهي معروفة ومتداولة لدى الجميع - نعم أن يقف مع نجم مشهور ومحسوم الأمر في أدائه وسمعته الفنية عربيا أو عالميا، يبدو الأمر مجازفة، أو مغامرة على حساب سمعة وأداء ذلك الممثل الذي غامر بإبداعه ليواجه (مسرحيا) وعلى الخشبة مباشرة وأمام الجمهور ذلك النجم / الظاهرة، الراسخة على وفي الساحة الفنية التنافسية المشروعة للجميع. 

أسوق هذه المقدمة، لكي أقف عند عرض مسرحية "الملك لير" للمرة الثالثة، ونجمها الظاهرة  يحيى الفخراني.. العمل من إنتاج المسرح القومي المصري 2025، وتأليف وليم شكسبير، وإخراج شادي سرور، بمشاركة نخبة من الممثلين المصريين بتنوع أجيالهم وخبراتهم بين أساتذة وشباب واعدين .. 

السؤال: هل تورطوا هؤلاء الممثلين لاسيما المعروفين منهم على صعيد السينما والتلفاز، والمسرح أيضا، ووقفوا أمام النجم / الظاهرة "الفخراني" لكي يعيشوا لحظات من ورطتهم / مجازفتهم هذه، بحثا عن الشهرة أو المال مثلا؟ .. بوصف أن هذه التجربة فرصة لهم يحتاجونها في مشوارهم الفني؟ .. أم أنهم كانوا أهلا لهذه المواجهة الأدائية المسرحية وهم يتحدون أنفسهم إبداعيا لإثبات جدارتهم أمام النجم / الظاهرة "الفخراني" فيحققون بذلك استقلالية أدائيّة مبهرة تكون بمستوى أداء النجم / الظاهرة، إن لم تكن تتفوق عليها كثيرا؟ … 

هي أسئلة افترضها هنا، ساعيا للبحث عن إجابة أو إجابات لها، وفقا لآلية نقدية تجمع الموضوعي مع الذاتي والتي تضع إجاباتها دونما محددات، وإن كانت في خانة اللامتوقع، أو الصادم .. 

فأقول إن عددا من الممثلين هنا في هذا العرض.. لم يكونوا تحت ورطة النجم / الظاهرة .. أبدا .. بل كانوا ضمن التحدي والاستقلالية الأدائية التي ينبغي .. بل إنهم أفاقوا مستوى أداء النجم / الظاهرة، في الكثير من محطاتهم المشهدية، أداء وتحولا وصدقا وانتماء وتقمصا .. وبرعوا كثيرا في التعبير عن طاقتهم التمثيلية المائزة في هذا العرض .. بل إنهم - وبدون تخطيط من عندهم - جعلوا من النجم / الظاهرة، محطة عبور لإيصال براعتهم للناس، الأمر الذي جعل الناس في موقف دهشة جمالية خلاقة إزاء ما قدموه من جهد إبداعي ملفت للنظر، على العكس مما قدمه النجم / الظاهرة، من أداء تقليدي مفضوح في الكثير من مشاهده لاسيما في الفصل الأول من العرض .. إلا أنه انماز في المشهد الأخير "مشهد الموت" بإحساس أدائي عالي وفقا لما تقتضيه اللحظة الدرامية الانفعالية ضمن سياق النص والعرض معا. 

نعم، عودا للحديث عن المختلفين أدائيا في هذا العرض، فأقول: أتحدث هنا عن الفصل الثاني من العرض، الذي كان فصلا مختلفا تماما عن (الفصل الأول الذي هيمنت عليه التقليدية الطرازية كثيرا)، بينما جاء الفصل الثاني بصور متعددة إخراجيا ففيه الكثير من ملامح التجريب والحداثة والتكثيف الكامنة في المشاهد الصورية والسمعية والأدائية بحكم التحولات المنظرية بجمالياتها الصورية والصوتية، الأمر الذي جعلنا نعيش جوا إيقاعيا مغايرا ومشدودا ومنضبطا بدقة تحولاته الجمالية بل وحتى الفكرية الفلسفية بمجمل إسقاطاته للواقع المعاش عربيا وعالميا / إنسانيا. 

هؤلاء الممثلين والذي سقت عنهم قاصدا لهم، هذه السطور المتواضعة بشأنهم هم: طارق الدسوقي، حسن يوسف، أحمد عثمان، إيمان رجائي، أمل عبدالله، لقاء علي، طارق شرف، محمد العزايزي، عادل خلف، ومحمد حسن… لقد تحدوا ونجحوا وتجاوزوا تلك (الورطة) التي قد وقع أو سيقع فيها آخرون الآن أو مستقبلا .. وعلى سبيل المثال اذكر لكم ومن التاريخ المسرحي المصري نفسه: عمر الحريري الذي حافظ على استقلاليته الأدائية حين وقف متحديا لعادل إمام وفي أكثر من عرض، كذا الحال عند شيرين في انطلاقتها الفنية مع سمير غانم أو أحمد زكي حين وقف مع عادل إمام مرة ومع سعيد صالح مرة أخرى، وأمثلة أخرى عديدة. 

من الثابت والمؤكد أنني لا أبخس هنا حق النجم / الظاهرة "الفخراني" من عطائه الإبداعي المتدفق بحضوره وخبرته وشهرته.. لاسيما أنني كمتابع له أو شغوف به وبتاريخه الفني الحافل بالتميز كثيرا، وانتمي لكل ما قدمه هذا الكبير العملاق .. إلا أنني بوصفي ناقدا مسرحيا  متواضعا حتمت علي الضرورة والمسؤولية النقدية كي اسطر لكم سطوري هذه بحيادية تامة معبرا عما جال في خلجاتي ووجداني منذ يوم مشاهدة عرض "الملك لير الفخراني" والذي سافرت له من العراق إلى القاهرة خصيصا لكي احضره وأشاهده متمتعا - بعد كل الذي سطرته لكم - بهذه السينوغرافيا الخلاقة جدا وبهذه المؤثرات الموسيقية التي تنفعل بالحدث وتتداخل معه للنخاع .. نعم لقد مرت الثلاث ساعات زمن العرض وكأنها ثلاث دقائق.