عجز ليبيا المالي يكشف تداعيات الانقسام

مصرف ليبيا المركزي يضطر إلى تغطية عجز بقيمة 7.8 مليارات من عوائد استثماراته في الودائع والسندات والذهب.

طرابلس - كشف مصرف ليبيا المركزي عن تفاقم في الأزمة المالية للبلاد، مُعلناً عن تسجيل عجز في ميزان المدفوعات بقيمة 7.8 مليارات دولار نتيجة اتساع الفجوة بين الإيرادات النفطية والإنفاق العام المُتزايد، ما يُسلط الضوء بقوة على تداعيات الأزمة السياسية والمؤسسية التي انعكست سلباً وبشكل مباشر على الوضع المالي للدولة العضو في منظمة البلدان المصدر للبترول (أوبك).

وتعتمد الميزانية العامة الليبية وميزان المدفوعات بشكل كبير على العائدات النفطية وأي اضطراب في الإنتاج أو التصدير، بفعل الإغلاقات المتكررة للحقول والموانئ في ظل الصراع على النفوذ والسطلة، أو تقلبات الأسعار العالمية يؤدي إلى صدمة مالية مباشرة.

ويعكس العجز المُعلن عنه حالة من عدم التوازن بين تدفقات النقد الأجنبي الداخلة والخارجة، بالإضافة إلى ارتفاع الإنفاق العام بما يشمل بشكل رئيسي المرتبات التي تستحوذ على حصة ضخمة من إجمالي الإنفاق (أكثر من 60 مليار دينار في إحدى الفترات)، فضلا عن نفقات الدعم (الوقود والسلع الأساسية) والتي تستهلك جزءاً كبيراً من الميزانية.

وأظهرت بيانات المصرف أن "الإيرادات النفطية والرسوم الموردة بلغت 20.7 مليار دولار، مقابل استخدامات للنقد الأجنبي وصلت إلى 28.5 مليار دولار"، لافتا إلى أنه " غطّى العجز من عوائد استثماراته في الودائع والسندات والذهب، ما أدى إلى زيادة الأصول الأجنبية بمقدار 2.2 مليار دولار، ليصل إجماليها إلى 99.4 مليار دولار بنهاية نوفمبر/تشرين الثاني، مقارنة بـ95.5 مليار دولار في نهاية 2024. كما بلغت حصيلة الرسوم المفروضة على مبيعات النقد الأجنبي 21.4 مليار دينار، وفق موقع "أخبار شمال أفريقيا".

ويعني استمرار العجز الضغط على احتياطيات ليبيا من النقد الأجنبي في المصرف المركزي، مما يُضعف قدرة الدولة على تغطية الواردات الأساسية وتمويل الإصلاحات المستقبلية.

ولا تلوح في الأفق بوادر لتسوية الأزمة بسبب الصراع بين الأطراف السياسية على السيطرة على الموارد المالية، خاصة عائدات النفط، ومؤسسات الدولة السيادية، كالمصرف المركزي، ما يؤدي إلى غياب الرؤية الاقتصادية الموحدة.

كما أدى انعدام الرقابة الفعالة والصرف غير المُنظّم في ظل الانقسام إلى تآكل الثقة في الدينار الليبي وتفاقم التضخم، مما أثر سلباً على القوة الشرائية للمواطنين وزاد من معدلات الفقر.

ويسود مناخ من الفساد والإدارة غير الرشيدة للموارد، حيث تشير تقارير إلى وجود مبالغ من العملة المطبوعة "غير معلومة المصدر" مما يهدد النظام المالي ويزيد من الانقسام النقدي.

ويزداد الوضع قتامة نتيجة نقص السيولة في المصارف (رغم المحاولات لمعالجتها) بسبب انعدام الثقة في النظام المصرفي واللجوء إلى تخزين الأموال خارج المصارف.

ويغيب الإنفاق الفعال على مشاريع التنمية لصالح الإنفاق الاستهلاكي (مرتبات ودعم)، مما يُعرقل إمكانية التحول نحو اقتصاد منتج ومستدام. ويتطلب أي حل مستدام للأزمة المالية الليبية تحقيق الانسجام السياسي والمؤسسي، ووضع موازنة موحدة وشفافة للإنفاق العام، بالإضافة إلى تنويع مصادر الدخل وإصلاح منظومة الدعم بشكل يضمن توجيه الموارد نحو التنمية بدلاً من الاستهلاك.