عيد الاستقلال… حين يلتقي التاريخ بضرورات الجغرافيا السياسية
يأتي عيد الاستقلال هذا العام بطعمٍ مختلف، ليس فقط لأن المغاربة يستحضرون واحدة من أنصع لحظات الذاكرة الوطنية، بل لأن سياق الاحتفال نفسه يشهد تحوّلات عميقة في تموضع المغرب الإقليمي والدولي. فبين استيعاب دروس الماضي واستشراف آفاق المستقبل، يبدو أن حدثاً تاريخياً بحجم استقلال الدولة المغربية لم يعد مجرد محطة رمزية، بل أصبح عدسة حيّة لإعادة قراءة خيارات المملكة، وموقعها ضمن خارطة تحالفات تتشكل على إيقاع متسارع.
أولاً: بين الماضي الذي لا يشيخ والحاضر الذي لا ينتظر
منذ استرجاع الاستقلال سنة 1956، ظلّ المغرب يعتبر أن استكمال وحدته الترابية جزء من منطق التاريخ ذاته. وقد أثبتت السنوات الأخيرة أن هذا الثابت الوطني لم يفقد قوته، بل على العكس، تحوّل إلى رافعة استراتيجية عززت حضور المملكة في معادلات الأمن الإقليمي، وربطت الملفات الداخلية بالمستجدات الدولية.
وفي هذا السياق، يأتي القرار الأممي 2797 ليمنح الدينامية المغربية بعداً إضافياً. فالقرار لا يحسم النزاع بشكل نهائي، لكنه يعيد ترتيب موازين القراءة السياسية، ويضع المبادرة المغربية للحكم الذاتي في قلب أي تصور واقعي للحل.
ثانياً: منطق الأمم المتحدة… وخريطة الطريق الممكنة
القرار 2797 لم يكن مفاجئاً. قبل صدوره، كانت أغلبية الدول المؤثرة في مجلس الأمن قد تبنّت قناعة واضحة: لا حل خارج إطار الواقعية والبراغماتية. لكنه جاء ليرسّخ هذه القناعة ويُدخلها مرحلة جديدة، عبر ثلاث رسائل مركزية:
الاعتراف بمرجعية الواقعية باعتبارها الإطار الوحيد لأي تسوية قابلة للتنفيذ.
إعادة ضبط أدوار الأطراف بشكل يجعل المسؤوليات واضحة، بعيداً عن منطق المناورة.
التأكيد على أن المنطقة لم تعد تحتمل نزاعات معلّقة في زمن تتنافس فيه القوى الدولية على النفوذ والموارد وسلاسل الإمداد.
هذه الرسائل تجعل القرار الأممي ليس مجرد توصيف للوضع، بل مؤشراً على مرحلة مفصلية في مسار النزاع.
ثالثاً: المغرب… قوة هادئة داخل إقليم مضطرب
في محيط إقليمي متوتر، أثبتت الرباط أنها تمتلك قدرة نادرة على بناء الاستقرار بدل تصديره. فبين رهان تنويع الشراكات وتعزيز الموقع القاري والانخراط في مبادرات اقتصادية كبرى، اختار المغرب طريقاً صعباً لكنه الأكثر اتساقاً مع متطلبات القرن الجديد: قوة الدولة تنبع من شرعيتها ومن قدرتها على إنتاج التنمية لا من سلوك المغامرة.
ويأتي التقدم الدبلوماسي في قضية الصحراء ليعكس هذا المنهج. فالدول الكبرى تنظر اليوم إلى المغرب باعتباره شريكاً ضرورياً في ملفات الأمن والهجرة والطاقة الخضراء والإفريقيا الصاعدة. وهو ما يجعل الحل السياسي للنزاع مطلباً دولياً بقدر ما هو مصلحة وطنية.
رابعاً: لماذا هذا العام مختلف؟
للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، يتقاطع الاحتفال بعيد الاستقلال مع منعطف دبلوماسي يؤشر على بداية نهاية نزاع طال أكثر مما ينبغي. فالمغرب لا يحتفل بقرار أممي في ذاته، بل يحتفل بمسار كامل أثبت أن:
الحل المغربي هو الأكثر واقعية، موقع المملكة الدولي أصبح أقوى، الدينامية الاستثمارية والتنموية في الأقاليم الجنوبية تحولت إلى ورقة قوة سياسية، الاعترافات الدولية لم تعد مبادرات معزولة بل توجه عالمي متنامٍ.
إن تلاقي هذا الزخم الدبلوماسي مع مناسبة وطنية بحجم عيد الاستقلال يجعل اللحظة ذات رمزية مضاعفة: إنجاز الماضي يؤسس لانتصارات المستقبل.
خامساً: خاتمة… حين تتحول الذاكرة إلى استراتيجية
ليس جديداً أن يحتفل المغرب بعيد الاستقلال. الجديد هو أن الاحتفال هذا العام يحدث بينما تتحرك عجلة التاريخ لصالح التصور المغربي للحل، وحيث تبدو المملكة أكثر ثقة في خياراتها وأكثر قدرة على إدارة رهاناتها الإقليمية.
إن استقلال 1956 لم يكن نهاية مسار، بل بداية مشروع دولة. واليوم، مع تثبيت المبادرة المغربية كأفق وحيد للحل، يبدو أن المغرب يواصل كتابة فصول جديدة من هذا المشروع… فصول تؤكد أن الأمم لا تُقاس بما راكمته فقط، بل بما تقدر على بنائه أيضاً.