غياب توثيق السينما المغربية وأنديتها أزمة مهنية

النقد السينمائي المغربي أمام فراغ المرجع التاريخي.

هل انشغلت المجلة المغربية للأبحاث السينمائية، التابعة لجمعية نقاد السينما المغربية، ببناء ذاكرة السينما المغربية من روادها وأنديتها وتاريخها الكامل، أم اختارت الاستعراض والقفز نحو نظريات السينما الكبرى متجاهلة الأساس المعرفي الضروري؟

يفضح غيابُ كتابٍ أكاديميٍّ موثوقٍ في تاريخ السينما المغربية فشلًا جماعيًا يتحمّله كلّ من مارس الكتابة عن السينما منذ بزوغ تلك الأقلام التي تدّعي النقد والتأريخ إلى اليوم، لأن عقودًا كاملة من المقالات والندوات والبيانات لم تُنتج مرجعًا واحدًا يؤرّخ بجدية لمسار سينما وطنية كان يُفترض أن تكون في صلب اهتمام النقاد قبل أيّ تنظير أو استعراض.

ويحمّل هذا الغياب مسؤوليةً أخلاقيةً وثقافيةً ثقيلة لكل ناقد وباحث فضّل الكتابة حول المفاهيم العائمة بدل الاشتغال على الأساس، إذ لا يمكن تبرير القفز نحو الجماليات والفلسفات بينما الأرضية التاريخية نفسها غير موجودة، فأصبح النقد المغربي بلا ذاكرة، لأن تاريخ كل فن من الفنون هو ذاكرته.

ويكشف انعدام وجود كتاب حول تاريخ الأندية السينمائية بالمغرب عن كارثة زلّانة مكتملة الأركان، وفشل ذريع على ظهر كل من قاد هذه الأندية منذ نشأتها إلى اليوم، لأن الحديث عن دورها التنويري والتكويني يصبح لغوًا فارغًا ما دام هذا التاريخ لم يُكتب، ولم يُوثَّق، ولم يُصن، بينما يدين هذا الفراغ كل القيادات التي تعاقبت على الأندية السينمائية، إذ كيف يُعقل أن مؤسسات لعبت دورًا محوريًا في تكوين أجيال من السينمائيين والنقاد تُترك بلا ذاكرة مكتوبة، وكأن ما راكمته من تجربة ونقاش ونضال ثقافي لا يستحق التدوين.

ويفضح التنظير المفرط والتطبيل والتهويل باسم فلسفة السينما باعتباره سنطحة ثقافية مقنّعة، ظاهرها التباهي بالمفاهيم وباطنها فشل مغربي عويص في إنجاز المهم، وعُقد نفسية مرضية تجاه الغرب وأوروبا تُترجم في استعارة لغتهم عوض بناء أسئلتنا. ويبرز هذا وهم العمق الذي يُروَّج له عبر الحديث عن جماليات الصورة، والسينما والشعر، والسينما والأدب، والسينما واللغة، والسينما والتاريخ، والسينما والمدينة، باعتبارها شعارات براقة تخفي سقوطًا معرفيًا مدويًا لكل من يرفعها دون امتلاك الحد الأدنى من المرجع التاريخي الوطني المغربي.

ويمكن شرح سبب هذا السقوط ببساطة: أولًا، لأن تاريخ السينما المغربية هو الحجر الأساس لكل كتابة نقدية، وهذا الحجر غير موجود أصلًا في شكل مرجع أكاديمي معتمد، ما يجعل، منطقيًا، كل البناء النظري اللاحق معلّقًا في الهواء وقابلًا للانهيار. بينما يُسائل بحدّة الأعضاء الجدد لجمعية نقاد السينما المغربية حول خيارهم القادم: هل سيركزون أخيرًا على كتابة تاريخ السينما المغربية وتاريخ الأندية السينمائية باعتبارهما أولوية قصوى، أم سيستمرون في إعادة إنتاج نفس السنطحة التي أوصلت النقد إلى هذا المأزق؟

ويزيد الوضع سوءًا وضعُ المجلة المغربية للأبحاث السينمائية التابعة للجمعية بوصفه كارثة أخرى، إذ يحمل العنوان صفة "مغربية"، بينما أغلب المقالات المنشورة تهتم بالسينما العالمية، في تناقض صارخ يكشف غياب الرؤية وارتباك الهوية؛ فلماذا تُسمّى مجلة السينما المغربية مغربية إذا كانت لا تكتب عن تاريخ سينماها، ولا عن أنديتها، ولا عن ذاكرتها، ولا عن أزماتها، ولا عن روادها الذين لا يملكون حتى سيرًا ذاتية موثقة أكاديميًا؟ وهل يمكن لنقد بلا تاريخ أن يدّعي الشرعية أو الاستمرار؟

فهل يُعقل أن يُمارَس التنظير، ويجري القفز نحو جماليات السينما وشعرية الصورة السينمائية، ويُستدعى "قال تاركوفسكي" و"قال بازان" وفلان وفلان، في وقت لا يوجد فيه كتاب أكاديمي شامل يؤرّخ لتاريخ الأندية السينمائية بالمغرب، ولا لتاريخ السينما المغربية، ولا لتاريخ روادها، بوصفه مرجعًا معتمدًا لطلبة المدارس والجامعات والمعاهد السينمائية التي لا تُدرّس، إلى اليوم، شيئًا عن مغربنا السينمائي؟