فكر مؤسس يتحدى الزمن: من الاستقلال السياسي إلى الاستقلال التكنولوجي

الجائزة ليست مجرد تقليد ثقافي، بل مشروع ذاكرة وطنية، فمنذ إطلاقها عام 1996، حافظت المؤسسة على أن تظل الجائزة نافذة على قضايا فكرية كبرى تشغل النخب.

في كل مرة تتجدد فيها دورة جائزة علال الفاسي، يفرض السؤال نفسه: ما معنى أن نكرم فكراً وإرثاً ممتداً في الحاضر، لا باعتباره ماضياً جليلاً فحسب، بل باعتباره طاقة حية ما زالت قادرة على إلهام الأجيال وصياغة الأجوبة لأسئلة المستقبل؟

لقد احتضنت مؤسسة علال الفاسي مؤخراً دورتها الرابعة عشرة (2024)، في حفلٍ ترأسه الأمين العام لحزب الاستقلال السيد نزار بركة، وحضره أفراد من أسرة الزعيم الراحل، وقيادات سياسية وحكومية، وأساتذة وباحثون، ومناضلون من حزب الاستقلال، في مشهد يجسد تداخل الرمزية الفكرية مع العمق السياسي والاجتماعي. والواقع أن هذا التداخل ليس صدفة؛ ففكر علال الفاسي نفسه ظل دوماً ملتقى بين البعد النظري والاستشراف العملي، وبين الثقافة والعمل الوطني.

الجائزة ليست مجرد تقليد ثقافي، بل مشروع ذاكرة وطنية. فمنذ إطلاقها عام 1996، حافظت المؤسسة على أن تظل الجائزة نافذة على قضايا فكرية كبرى تشغل النخب، وهو ما يجعلها أداة لاستمرارية النقاش الوطني حول تحديات الدولة والمجتمع. ففي زمن تسوده السرعة والتغيرات التكنولوجية الجارفة، يكتسب استدعاء فكر علال الفاسي بعداً آخر: إنه ليس مجرد تكريم للماضي، بل تثبيت لبوصلة فكرية وسط عالم متغير.

سيادة الإنسان في زمن الذكاء الاصطناعي

اختيار اللجنة العلمية في هذه الدورة لموضوع: "مفهوم السيادة في ظل الذكاء الاصطناعي والتطورات التكنولوجية والرقمية السريعة"، ليس قراراً أكاديمياً فقط، بل رسالة سياسية وحضارية عميقة. فالسيادة لم تعد مفهوماً تقليدياً يقتصر على الجغرافيا أو الحدود، بل باتت ترتبط بالقدرة على التحكم في البيانات والمعرفة والقرار السيادي في زمن تذوب فيه الفواصل بين الدولة والمنصات الرقمية العابرة للقارات.

بهذا المعنى، فإن مؤسسة فكرية تستحضر إرث علال الفاسي، الذي كان مسكوناً بفكرة الاستقلال والكرامة الوطنية، تعيد طرح نفس السؤال في نسخة معاصرة: كيف نصون سيادتنا ونحن نواجه تحديات الذكاء الاصطناعي والهيمنة الرقمية؟

من الفكر إلى الإبداع

ولأن الفكر لا ينفصل عن الإبداع، فقد تميزت هذه الدورة أيضاً بجائزة موجهة للشباب في صنف "إنتاج فيلم قصير على شكل فيديو". إنها دعوة لربط القيم بالخيال، والسياسة بالثقافة الشعبية، والفكر العميق بالتعبير البصري الحديث. فكما كان علال الفاسي يؤمن بأن الثقافة هي شرط للتحرر السياسي، فإن المؤسسة تراهن اليوم على أن الإبداع الشبابي هو شرط للتحرر من الاستلاب الرقمي.

أكثر من مجرد تكريم

الجائزة في النهاية ليست حفل توزيع جوائز، بل لحظة إعادة ربط بين جيل المؤسس وجيل المستقبل. إن حضور أبناء الزعيم، وقيادات الحزب، والأساتذة والباحثين، يعكس أن المؤسسة لا تكتفي بتخليد الذكرى، بل تسعى إلى تحويلها إلى فعل مستدام في الحاضر.

ولعل أعمق دلالة في هذا المسار أن فكر علال الفاسي لم يتحول إلى مجرد أرشيف تاريخي، بل بقي حاضراً كـ "منارة فكرية"، قادرة على إضاءة النقاش الوطني في قضايا شديدة التعقيد، من الاستقلال السياسي بالأمس إلى السيادة الرقمية اليوم.

إن جائزة علال الفاسي تذكرنا بأن الثقافة ليست ترفاً، بل هي البنية التحتية غير المرئية لكل مشروع وطني. وإذا كان المغرب يراهن اليوم على الإصلاحات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، فإنه بحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى هذا النوع من المبادرات الفكرية التي تجعل من الذاكرة قوة دافعة للمستقبل.