قمة لواندا.. حين تعيد إفريقيا وأوروبا كتابة قواعد اللعبة.. المغرب في قلب المعادلة الجديدة

المغرب يبرز كفاعِل يملك أوراق رؤية متوسطة وبعيدة المدى ويستطيع موازنة مصالح الشمال وطموحات الجنوب، مستفيدا من موقعه الجغرافي واستقراره السياسي وتراكم خبرته في بناء مبادرات إفريقية حقيقية.

لا يحتاج موقع المغرب في القارة الإفريقية وفي محيطه المتوسطي والأطلسي إلى الكثير من التبرير، فالمملكة باتت رقماً ثابتاً في معادلة الاستقرار والتعاون جنوب–شمال. وفي هذا السياق، جاءت مشاركة وزير التجهيز والماء، نزار بركة، في القمة السابعة للاتحاد الإفريقي–الاتحاد الأوروبي بلواندا، لتشكّل امتداداً طبيعياً للدور المغربي المتصاعد داخل فضاءات صنع القرار الإقليمي.

مشاركة تحمل بصمة ملكية واضحة
ومنذ اللحظة الأولى، برز الطابع الاستراتيجي للحضور المغربي، فبتوجيهات من العاهل المغربي الملك محمد السادس، شارك نزار بركة في افتتاح فعاليات القمة، التي انطلقت يوم الاثنين تحت شعار "تعزيز السلام والازدهار عبر تعددية فعّالة".
لكن خلف هذه اللغة الدبلوماسية التقليدية، توجد رسالة عميقة: المغرب لا يحضر لأنه مدعوّ فحسب، بل لأنه أصبح شريكاً حقيقياً في صياغة مستقبل العلاقة بين القارتين.

القمة الممتدة على يومين، 24 و25 نوفمبر/تشرين الثاني ليست مناسبة بروتوكولية، بل محطة لإعادة هندسة شراكة تقوم على التوازن والواقعية، وترتكز على تعاون مستدام يتجاوز زمن الوعود العامة. ومن بين جلساتها المحورية، تبرز الجلسة المخصصة لموضوع "المواطنون، الهجرة والتنقل"، وهو عنوان يرتبط عضوياً بالدور المغربي الذي يتطور بثبات في هذا الملف داخل الاتحاد الإفريقي.

لواندا… ساحة اختبار لشراكة ناضجة
وانعقاد القمة في لحظة دولية محتدمة يضفي عليها وزنا خاصا، فالعالم يعيش اليوم تحولات تعيد صياغة خرائط النفوذ، من أمن الطاقة إلى سياسات الهجرة، ومن التنمية المشتركة إلى التغيرات الجيوسياسية التي تفرض على إفريقيا وأوروبا التفكير في أنماط تعامل جديدة.
لواندا لم تُنظّم لتكرار الشعارات، بل لاستبدال العلاقة العمودية القديمة بنموذج جديد قوامه الندية والمصالح المتبادلة. وهذا ما جعل النقاشات تلامس العمق الحقيقي للتحديات: كيف يمكن للهجرة أن تتحول من مصدر قلق إلى ورقة تنمية؟ كيف يمكن بناء منظومة أمنية ذكية تتعامل مع التهديدات في جذورها لا في نتائجها؟ وكيف يمكن تطوير مشاريع مشتركة تجعل القارتين قادرتين على مواجهة المستقبل بثقة أكبر؟

البصمة المغربية: من مبادرات قطاعية إلى رؤية قارية
واختيار الملك محمد السادس سنة 2018 "رائداً للهجرة" من طرف الاتحاد الإفريقي لم يكن مجرد لقب رمزي، لقد شكّل لحظة فارقة في انتقال المغرب من موقع الملاحَظ إلى موقع صانع الأفكار والسياسات.
وبفضل هذا الدور، أصبحت مقاربة الهجرة داخل الاتحاد الإفريقي أكثر اتزاناً وواقعية، قائمة على ثلاثة عناصر أساسية: الإنسانية، التنمية، والمسؤولية المشتركة.
هذا الإطار الفكري المغربي أصبح اليوم مرجعاً غير معلن في نقاشات لواندا، خصوصاً في جلسة "المواطنون، الهجرة والتنقل"، فبينما تركز دول كثيرة على المقاربات الأمنية، يقدّم المغرب بديلاً يقوم على الاستثمار في الإنسان، وخلق فرص اقتصادية، وتعزيز الاندماج القاري بطريقة سلمية وفعّالة.

من بروكسيل إلى لواندا: دينامية مستمرة لا قمة معزولة
القمة السادسة ببروكسيل سنة 2022 وضعت أسس شراكة جديدة بين إفريقيا وأوروبا. أما قمة لواندا، فتأتي لتدقيق هذه الأسس ومنحها بُعداً عملياً. العالم تغيّر، والأزمات تعاقبت، لكن دوافع التعاون بين القارتين صارت أقوى: أمن غذائي هش، انتقال طاقي ملحّ، منافسة دولية شرسة، وحاجة ملحة لإعادة بناء الثقة.
وسط هذه التحولات، يبرز المغرب كفاعِل يملك أوراق رؤية متوسطة وبعيدة المدى، ويستطيع موازنة مصالح الشمال وطموحات الجنوب، مستفيداً من موقعه الجغرافي، واستقراره السياسي، وتراكم خبرته في بناء مبادرات إفريقية حقيقية.

المغرب حيث تُصاغ الجسور لا الحواجز
قمة لواندا ليست مجرد موعد دبلوماسي جديد، إنها إعادة تعريف للعلاقة بين قارتين تشتركان في التاريخ والجغرافيا والمصالح. وفي هذا السياق، يظهر المغرب ليس فقط كطرف مشارك، بل كقوة اقتراح، وصوت حكيم، وجسر يربط بين إفريقيا التي تتطلع للنمو، وأوروبا التي تبحث عن شريك ثابت ومسؤول.
وحين نقرأ مسار العلاقات الإفريقية–الأوروبية خلال السنوات المقبلة، سنكتشف أن المغرب كان من بين الذين كتبوا صفحاتها الأولى… بثبات، ورؤية، وحنكة دبلوماسية راسخة.