'لا خيار آخر'.. رحلة في عالم بلا رحمة
يفتتح فيلم "لا خيار آخر" نافذة سينمائية مظلمة ومعقدة ضمن قسم "آفاق" في الدورة الثانية والعشرين للمهرجان الدولي للفيلم بمراكش، إذ يعدّ هذا القسم منصة جيدة لعرض أعمال المخرج الكوري الجنوبي بارك تشان-ووك الجريئة، ويقدّم المهرجان عبر هذا الفيلم إشارة واضحة لرغبته في توسيع رؤية الجمهور تجاه السينما العالمية المعاصرة. ويبرز العمل رؤية قاتمة للتأثيرات المدمرة لليأس الاقتصادي على الفرد والمجتمع. كما يُصنَّف العمل كنقد اجتماعي حاد مغلف بأسلوب إثارة وجريمة متفرد. ويُثبت تشان-ووك مجددًا سبب المكانة العالمية التي تحظى بها أعماله.
ويستمد تشان-ووك خيوط حبكته المعقدة من رواية الجريمة "The Ax" للكاتب الأميركي دونالد إي وستليك، ويُجري عليها تحويلاً ذكيا، ليطبعها بالروح القاسية والمكثفة للسينما الكورية، إذ يُحافظ على التناقضات الكوميدية السوداء للقصة الأصلية، لكنه يضفي عليها عمقاً فلسفياً آسيوياً، ما يجعل هذا الاقتباس مثالًا واضحًا على قدرته في التعامل مع النصوص الأجنبية وإعادة تشكيلها. ويبرز الفيلم مهارة المخرج في دمج الأنماط، إذ يتحوّل النص البوليسي إلى مرثاة معاصرة عن الطبقة المتوسطة. ويجسّد "لا خيار آخر" فكرة أن اليأس لغة عالمية لا تعرف حدودًا جغرافية.
ويُصوّر الفيلم الانهيار المفاجئ لحياة يو مان-سو، خبير الورق الذي كرّس 25 عامًا من عمره لشركته. ويُبشَّر مان-سو في البداية بحياة الاستقرار والحب الأسري في منزله الهادئ. ويشهد المشاهدون اللحظة الفارقة عندما يتلقى إشعار الفصل القاسي إثر استحواذ أميركي على الشركة، فيما يبرز هذا الحدث الافتتاحي قسوة الرأسمالية الحديثة وعدم وفائها لولاء الموظفين، ويبيّن كيف يمكن للمكانة الاجتماعية أن تتبخر في لحظة، تاركةً الفرد عاريًا أمام مصيره. كما يركّز الفيلم على فقدان الرجل هويته وارتباطه بعمل حياته.
ويُواجه مان-سو وعائلته سلسلة من التضحيات المؤلمة التي تزيد من حدة التوتر الدرامي؛ فتُجبَر الأسرة على بيع المنزل الفاخر، واستبدال السيارات، ووقف الأنشطة الترفيهية، وحتى إلغاء دروس التشيلو لابنته الموهوبة. وتُصعّد هذه التفاصيل اليومية من الشعور بالخسارة، متجاوزةً الجانب المادي إلى الخسارة الروحية. ويُشعل هذا التدهور شرارة اليأس في نفس البطل، دافعًا إياه إلى التفكير في ما هو غير معقول. ويكمن التحدي في كيفية تقبل الفرد لفقدان نمط الحياة المألوف والمكانة التي اكتسبها بجهده. وتُصبح هذه التضحيات مبررًا دراميًا قويًا لاندفاع مان-سو نحو الجريمة.
ويضع مان-سو خطة تتسم بالجنون والبرود التام لإزالة المنافسين الذين يشاركونه الترشح لوظيفة نادرة في شركة "مون بيبر". ويشكّل هذا الانتقال من الرجل الهادئ المحب لعائلته إلى قاتل متسلسل صدمة نفسية محورية في الفيلم، إذ يكشف السيناريو عن سلسلة من التقلبات الغريبة والعنيفة التي تكسر إيقاع التوقعات السائدة. ويبرّر البطل أفعاله تحت ضغط الحاجة الملحّة لاستعادة "ما سُلب منه" وتأمين مستقبل أسرته. ويُبرز تشان-ووك بذكاء كيف يمكن للإحباط الاقتصادي أن يولّد وحشًا كامنًا في أكثر الرجال وداعة. وينتهي هذا الجزء بفتح الباب أمام مزيج فريد من العنف المصوَّر والكوميديا السوداء.
ويقدّم النجم لي بيونغ-هون أداءً استثنائيًا يجسّد التناقضات النفسية لـ"يو مان-سو" بشكل مقنع، إذ يتسم أداؤه بالصدق في تصوير اليأس المحموم لرجل يحاول جاهدًا السيطرة على مصيره المنهار. ويُظهر براعة في التعبير عن التحول من الضحية إلى الجلاد، مع الاحتفاظ بلمحة من الإنسانية المفقودة. ويساهم هذا الأداء في جعل تصرفات البطل، مهما كانت شنيعة، قابلة للفهم على المستوى البشري. ويجعل بيونغ-هون الجمهور يتعاطف جزئيًا مع محنة الرجل بدلًا من إدانته بالكامل، ويُعتبر هذا الدور من الأعمال الرئيسية في مسيرة الممثل التي تثري المشهد السينمائي.
وتشكّل سون يي-جين (لي مي-ري) محورًا أخلاقيًا هادئًا يقف في مواجهة فوضى الأحداث غير المعقولة، إذ تُظهر جانبًا أكثر نضجًا ورصانة في أدائها، بعيدًا عن أدوارها الكوميدية الخفيفة السابقة. وتمثّل زوجة مان-سو الضمير الذي يصارع في مواجهة التداعيات غير المعلنة لأفعال زوجها. وتواجه صراعًا داخليًا قاسيًا بين الحفاظ على الأسرة ومقاومة الانزلاق الأخلاقي. وتعمل هذه الشخصية مرآةً تعكس التكلفة الإنسانية الباهظة لقرارات مان-سو اليائسة، وتضفي يي-جين عمقًا إضافيًا للفيلم، مؤكدةً أن للعنف ضحايا متعددين.
ويخلق بارك تشان-ووك سينما تتسم بجرأة فنية عالية، إذ يدمج الأصوات والمشاهد في نسيج واحد لا يمكن فصله. ويبرز مهارته الفائقة في التعامل مع التحولات النغمية المفاجئة التي تنتقل من الكوميديا إلى العنف الجرافيكي إلى اللحظات المؤثرة. ويُصوَّر تسلسل الرقص، على سبيل المثال، بالبراعة الفنية نفسها والإتقان ذاته المستخدمين في مشهد تقطيع الجسد. ويُبدي تشان-ووك قدرته على إيجاد نظام في الفوضى ومنهج في الجنون العارم، ويضفي لمسة من الشفقة حتى على اللاإنساني، ما يعمّق الطبقة النقدية للفيلم. ويثبت هذا المزيج الفريد أن الفن يمكن أن يولد من رحم القبح واليأس.
ويركّز "لا خيار آخر" على نقد البنى الاجتماعية والسياسات العالمية التي تخلق اليأس الإنساني، كما يعالج الفيلم قضية وحشية سوق العمل والمنافسة الشرسة في عالم الشركات بأسلوب لاذع. ويقدم نظرة تحليلية إلى الفوارق القاسية المتأصلة في قلب النظام الرأسمالي. ويناقش الفيلم أيضًا جدلية العلاقة بين الإنسان والآلة، والعزلة المتزايدة في المجتمع الحديث، مما يعزز طابعه كعمل نقدي يتجاوز حدود قصة الجريمة البسيطة إلى تحليل اجتماعي شامل. ويثير تشان-ووك تساؤلات حول الأخلاق والمعيارية والجنون الذي يمكن أن يتلبّس العقلانية الظاهرة.
ويؤكّد العرض ضمن "آفاق" في مراكش أهمية الفيلم كنتاج سينمائي يستحق الاكتشاف والتأمل. ويشير إلى أن المهرجان لا يخشى تقديم الأعمال التي تتسم بالصراحة الفنية والعمق النقدي. ويختتم الفيلم بنهاية قوية وساخرة تجعل المشاهد يعيد التفكير في المستقبل وعواقب اليأس. ويُعتبر "لا خيار آخر" إضافة نوعية لبرنامج المهرجان وتأكيدًا على قوة السينما الآسيوية. ويترك العمل في النفس شعورًا بالانزعاج العميق ممزوجًا بالإعجاب بحرفية الإخراج. ويستحق الفيلم كل الإشادة التي حصدها في جولات العروض الدولية.