محمد السادس… رؤية ملك يعيدُ توجيه البوصلة الأخلاقية والسياسية في القضية الفلسطينية

في زمن تتكاثر فيه المبادرات وتتشتت فيه الجهود، يستعيد المغرب دوره الطبيعي كفاعل توافقي قادر على جمع ما تفرّق عربيًا ودوليًا.

في عالمٍ تتداخل فيه الأزمات وتختلط فيه الأصوات، يبرز المغرب كأحد الأصوات القليلة التي تتحدث بلغة العقل والمسؤولية. والرسالة التي وجّهها الملك محمد السادس إلى الأمم المتحدة ليست مجرد موقف سياسي، بل وثيقة تأسيسية تعيد ترتيب أولويات السلام في الشرق الأوسط وتعيد تعريف ما يجب أن يكون عليه التضامن مع الشعب الفلسطيني.

لقد جاء خطاب الملك، في ظرف دولي يتأرجح بين التهدئة الهشة والانفجار المحتمل، ليذكّر بأن وقف إطلاق النار ليس نهاية المطاف، بل نقطة بداية لمسار أصعب: مسار بناء سلام حقيقي يتجاوز منطق الهدن المؤقتة وإدارة الأزمات.

سلامٌ بصوتٍ مغربي

اختار الملك محمد السادس أن يضع بلاده في قلب التحركات الدولية، بعيدًا عن الشعارات الفضفاضة، فالمساعدات الإنسانية التي أرسلتها المملكة إلى غزة بما فيها الجسر الجوي الأخير نحو القطاع، لم تكن مجرد مبادرات ظرفية، بل جزءًا من رؤية تعتبر أن التضامن الحقيقي يبدأ عندما تختفي الكاميرات وتنطفئ الأضواء.

الرؤية الملكية ترتكز على حقيقة واحدة: أن الفلسطينيين لا يحتاجون إلى بيانات دعم جديدة، بل إلى تغيير جذري في كيفية تعامل العالم مع قضيتهم. وهذا ما يعبّر عنه المغرب بوضوح عندما يدافع عن وحدة غزة والضفة، ويطالب بتقوية السلطة الفلسطينية، ويصرّ على إعادة إطلاق مفاوضات جادة وفق جدول زمني لا يسمح بالهروب من الاستحقاقات.

القدس خط الأحمر

في لحظة تتزايد فيها الانتهاكات الإسرائيلية في القدس، يؤكد الملك محمد السادس بصفته رئيس لجنة القدس، أن العبث بالوضع القانوني والتاريخي للمدينة ليس مجرد استفزاز سياسي، بل تهديد مباشر لاستقرار المنطقة بأكملها، فالقدس ليست تفصيلًا في مفاوضات معقدة، بل هي جوهر الصراع وروحه، وشرطٌ أساس لأي سلام دائم.

وهنا تتجلى خصوصية المقاربة المغربية: دبلوماسية فاعلة من جهة، وعمل ميداني متواصل عبر وكالة بيت مال القدس من جهة أخرى. مقاربة تزاوج بين الدفاع السياسي والحماية الاجتماعية لمقدسات المدينة وسكانها.

تنبيه الرباط إلى خطورة ما يجري في الضفة الغربية ليس مجرد توصيف سياسي، بل دعوة إلى العالم ليفهم أن التوسع الاستيطاني واعتداءات المستوطنين ليست تفاصيل يومية، بل خطوات متعمدة تهدف إلى القضاء على أي إمكانية حقيقية لحل الدولتين.

وهو حلّ بات وفق الرسالة المغربية، ضرورة سياسية وإنسانية قبل أن يكون خيارًا تفاوضيًا.

في زمن تتكاثر فيه المبادرات وتتشتت فيه الجهود، يستعيد المغرب دوره الطبيعي كفاعل توافقي قادر على جمع ما تفرّق عربيًا ودوليًا. ومن خلال احتضانه للاجتماع الخامس للتحالف الدولي لتنفيذ حل الدولتين، يثبت أنه لا يكتفي بالمراقبة، بل يسعى إلى صياغة مسارات جديدة للسلام.

تحليليًا، يلعب المغرب دور "الجسر الهادئ" الذي يعبر فوق الانقسامات، تجعله علاقاته المتوازنة مع مختلف القوى قادرًا على تقديم قيمة مضافة حقيقية في مرحلة ما بعد الحرب.

عندما يتقدم المغرب… يتقدم منطق السلام

في النهاية، جوهر الرسالة الملكية هو أن الصراع الفلسطيني ليس قدرًا محتومًا، وأن الطريق إلى السلام يبدأ بقرارات شجاعة، واضحة، ومسؤولة.

والمغرب بقيادة الملك محمد السادس، يختار اليوم أن يقود هذا المسار لا من موقع العاطفة وحدها، بل من موقع الرؤية، العقل، والالتزام الأخلاقي.

إنه صوت دولة تدرك أن العدالة ليست شعارًا، وأن السلام ليس تنازلاً، وأن الكرامة ليست رفاهية… بل حقّ لشعب حُرم منها طويلاً.