مراكش 2025: الماء كمعركة عالمية وحلول مغربية ملهمة
في زمنٍ تتسارع فيه الأزمات المناخية، وتتقلّص فيه الموارد المائية بوتيرة مقلقة، يصبح الماء ليس مجرد ملف تقني، بل قضية وجودية وسياسية بامتياز. ومن هنا تأتي أهمية المؤتمر العالمي التاسع عشر للماء، الذي ستحتضنه مدينة مراكش ما بين 1 و5 ديسمبر 2025، كموعد دولي استثنائي يرسم ملامح التعاون المستقبلي لمواجهة هذا التحدي الكوني.
انعقاد المؤتمر تحت الرعاية السامية للعاهل المغربي الملك محمد السادس، وبشراكة بين وزارة التجهيز والماء والجمعية الدولية لموارد المياه، يمنحه بُعدًا خاصًا؛ فهو لا يقتصر على نقاش علمي وأكاديمي، بل يجسّد إرادة سياسية قوية لجعل الماء في صميم أجندة التنمية المستدامة والاستقرار الدولي.
الرؤية الملكية: الماء قضية سيادية
منذ اعتلائه العرش، جعل الملك محمد السادس من الأمن المائي أولوية وطنية. وقد أكّد في خطابات متعددة أن الماء لم يعد مجرد مورد طبيعي، بل هو قضية سيادية ترتبط بالوجود والكرامة والسيادة الوطنية. وترتكز هذه الرؤية على ثلاثة أبعاد رئيسية:
تعبئة الموارد المائية عبر السدود الكبرى ومحطات تحلية مياه البحر.
ترشيد الاستهلاك في الزراعة والصناعة والمجال الحضري.
إرساء حكامة رشيدة تدمج الأبعاد المحلية والجهوية ضمن سياسة وطنية متكاملة.
هذه الرؤية الاستراتيجية منحت المغرب قدرة على الاستباق، وحوّلته إلى مختبر للابتكار المائي في إفريقيا والعالم العربي.
الإنجازات المغربية: من السدود إلى "الطرق السيار المائية"
منذ ستينيات القرن الماضي، تبنّى المغرب سياسة مائية متقدمة بفضل مشروع السدود الكبرى، وهو ما وفّر أساسًا متينًا للأمن المائي والغذائي. ومع تزايد التحديات المناخية، انتقل إلى جيل جديد من المشاريع المبتكرة:
تحلية مياه البحر، خاصة في المناطق الساحلية، مع ربطها بالطاقات المتجددة لتقليص الكلفة وضمان الاستدامة.
الطرق السيار المائية، وهو مشروع رائد لنقل المياه من المناطق الغنية بالموارد المائية نحو المناطق التي تعاني من ندرة، ما يعكس قدرة المغرب على هندسة حلول جريئة قائمة على التضامن الترابي.
تعميم الري بالتنقيط وإعادة استعمال المياه العادمة، بما ساهم في رفع مردودية الزراعة وتخفيف الضغط على الموارد التقليدية.
وقد لاقت هذه الإنجازات إشادة واسعة، حيث قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال زيارته الأخيرة إلى المغرب إن بلاده "معجبة بالنهج المغربي في إدارة المياه"، مؤكّدًا أن التجربة المغربية "تمثل نموذجًا عمليًا يمكن لفرنسا وأوروبا الاستلهام منه". هذا الاعتراف الدولي يعكس أن المغرب لم يعد مستهلكًا للحلول، بل أصبح منتجًا لها ومصدّرًا للخبرة.
مراكش منصة لتجديد السياسات المائية
النقاشات المنتظرة خلال المؤتمر ستتطرق إلى التمويل والحوكمة في سياقات غير مستقرة، وستبحث العلاقة العضوية بين الماء والصحة، والأمن الغذائي، والطاقات المتجددة. لكن الأهم هو دفع المجتمع الدولي نحو تبنّي حلول مبتكرة وعادلة تجعل من الماء حقًا إنسانيًا مشتركًا، لا امتيازًا جغرافيًا أو اقتصاديًا.
رسالة المغرب إلى العالم
من خلال هذا المؤتمر، يوجّه المغرب رسالة واضحة: الماء تحدٍّ عالمي، لكنه أيضًا فرصة لإعادة بناء التعاون الدولي على أسس جديدة. تعاون قائم على نقل التكنولوجيا، وتمويل الابتكار، وتقاسم الخبرات، وليس فقط على منطق المساعدات. فمراكش لن تكون مجرد مسرح للنقاش، بل قد تتحول إلى منصة لإطلاق مبادرات ملموسة، مثل:
صندوق عالمي للماء لدعم الدول الأكثر هشاشة.
برامج لنقل الخبرة المغربية في مجال التحلية والطرق السيار المائية إلى إفريقيا جنوب الصحراء.
شراكات ثلاثية شمال–جنوب–جنوب لإرساء حلول مستدامة.
الماء هو مرآة لعلاقة الإنسان بالطبيعة، وامتحان لقدرة الدول على التخطيط والتعاون. ومراكش، برعاية ملكية سامية، تقدم للعالم فرصة لإعادة التفكير في السياسات المائية، ليس فقط كحلول تقنية، بل كاختيار حضاري يحدد ملامح المستقبل. والمغرب، بخبرته وريادته، يثبت أن الاستباق والابتكار والحكامة الرشيدة ليست شعارات، بل سياسات ملموسة يمكن أن تلهم العالم بأسره.